﴿وَجِئتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقينٍ﴾ النمل22
حين تتلمس وجع الواقع خلف زيف الأوراق الملونة، تتبدد أضواء المثالية لتظهر الحقيقة المرة: مسؤولية لا تنفصل عن الميدان، قيادة لا تعيش في برج عاجي، وأمانة لا توكل لمن لا يلمس نبض الأرض. كما قال عمر رضي الله عنه، القيادة الحقيقية هي أن تراه بأم عينك، فتشعر، فتراقب، فتصحح، فتقاتل. وهكذا يكون العَسَسُ مبدأً للإدارة التي لا تقبل إلا صدق الواقع، وجرأة العمل، وحكمة الرقابة، خصوصًا حين تكون غزةُ محرقة لا مجال فيها لخيال الورق، بل ساحتها الوحيدة هي دماء الصامدين، وصرخة الحق التي لا تُخمد، وعيون الحُماة التي لا تغمض.
حين تستمع أو تقرأ تقرير إنجاز من جهات إدارية عليا، تطرب للصورة المثالية التي تُنجز فيها الأعمال، وتُوثَّق فيها، والثمار التي تُحصد. وحين يقدّر الله لك زيارة موقع عمل، أو تطّلع على واقع ميداني، تبحث متفحصًا عن المثالية التي رسمتها التقارير الإدارية والإحصائيات النموذجية، فلا تكاد تجد منها شيئًا؛ تتمنى في لحظتها أن تبقى رهين صورة جميلة عايشتها بين أوراق ملونة.
المسؤولية والأمانة والأداء العالي لا يستند إلى سياسة تفويض مطلق، وبقاء جهة التنفيذ هي ذاتها جهة التخطيط، وهي ذاتها جهة التقييم، وتبقى الإدارة العليا في برج عالٍ بعيدًا عن ميدان الفعل، فيفقد القائد قدرته على التأثير والإنجاز الحقيقي، ويبقى رهينة الصور الوردية التي ترسمها الأوراق الملونة والأرقام الجافة.
إن مقتضى المسؤولية ما فعله عمر رضي الله عنه، وإطلاقه قاعدة عمل إدارية صلبة: "أرأيتم لو وليت عليكم من هو خيركم، أأكون قد أديت ما علي؟ قالوا: بلى، قال: لا، حتى أرى ماذا يصنع". وفي العرف الإداري المعاصر، القيادة بالتجوال تطبيق لمعنى القيادة الميدانية، أو في تطبيق العرف العمري "العَسَس".
وأن يكون لك عين خارجية كهدهد سليمان {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (النمل: 22) ترقب سلوك الميدان، شيء من الحكمة والرقابة الخارجية؛ وهؤلاء يمكن الاتكاء عليهم أيضًا في متابعة الميدان، وضبط تقارير الإنجاز لتمثل الواقع الحقيقي، خاصة في ظل مشهد بالغ الحساسية والقتامة والتعقيد، والحاجة الملحة في محرقة غزة ووقائعها القاسية الرهيبة وأزماتها المركبة، التي كانت بحاجة إلى متابعة حثيثة، وعمل دؤوب، وشجاعة استثنائية.

