فلسطين أون لاين

لماذا تفشل القوة الأخطر في العالم "دلتا فورس" حين تكون غزة هي الميدان؟

هذا السؤال الذي تحوّل إلى معضلة استراتيجية تُحرج المؤسسة العسكرية الأميركية، وتُربك سردية التفوق المطلق التي طالما سوّقتها واشنطن عن وحداتها الخاصة، وفي مقدمتها فرقة دلتا فورس، فغزة التي لا تمتلك سلاحاً جوياً ولا أقماراً صناعية ولا جيوشاً نظامية، استطاعت أن تُفرغ واحدة من أكثر وحدات النخبة تدريباً وتسليحاً من معناها العملي، وأن تحوّل تدخلها – إن صحّ – من ورقة حسم إلى عبء سياسي واستخباري.

في ساحات مفتوحة، تنجح دلتا فورس حين تكون البيئة رخوة، والخصم مخترقاً، والقرار السياسي ممهّداً، أما في غزة فالمشهد مقلوب: بيئة مغلقة، مجتمع متماسك، مقاومة لامركزية، وساحة مشبعة بالوعي الأمني، تجعل من القوة الخارقة جسداً ثقيلاً عاجزاً عن الحركة، هنا تُقاس القوة بقدرة الفهم، والاختراق، والاشتباك مع عقل الميدان لا جسده فقط.

من هنا لا تبدو قصة دلتا فورس في غزة – سواء بالتدخل المباشر أو بالدعم الاستخباري – قصة فشل عملياتي فحسب، إنّما انكسار سردي لمنظومة القوة الأميركية حين تصطدم بجغرافيا المقاومة.

أسطورة القوة الأخطر، كيف صُنعت ولماذا تُصدَّع؟

صُنعت أسطورة دلتا فورس في غرف السرد الاستراتيجي الأميركية، حيث تتحول الوحدات العسكرية من أدوات قتال إلى رموز ردع نفسية عابرة للحدود، فالقوة التي يُراد لها أن تُخيف، يجب أولاً أن تُروى، وأن تُضخَّم، وأن تُقدَّم بوصفها قادرة على الوصول إلى أي هدف، في أي زمان، وبأقل كلفة ممكنة، هكذا تحوّلت دلتا فورس إلى منتج ردعي مُعلّب، تُستدعى قصصه قبل أن تُستدعى قدراته الفعلية، ويُلوَّح باسمه قبل أن يُختبر ميدانياً في بيئات غير مُطيعة.

غير أن هذه الأسطورة بُنيت على نوع خاص من النجاحات: عمليات خاطفة، أهداف محدودة، بيئات رخوة سياسياً أو مخترقة أمنياً، حيث يكون الخصم معزولاً اجتماعياً، أو محاصراً من داخل نظامه، في هذا السياق تعمل القوة الخاصة بكفاءة، لأن الميدان مُهيأ، والمعلومة متوفرة، والصدمة كافية لتحقيق الغاية، لكن حين تنتقل هذه العقيدة نفسها إلى بيئات مقاومة ممتدة، لا تُدار بمنطق الرأس الذي يمكن قطعه، تُدار بمنطق الجسد الذي يعيد ترميم نفسه باستمرار، تبدأ الأسطورة بالتصدّع.

غزة بيئة معادية للعقيدة الأميركية

في غزة، لا تواجه القوة الأميركية ميداناً عسكرياً تقليدياً، بقدر اصطدامها بمنظومة مقاومة مجتمعية، فالمقاومة هنا بنية كامنة داخل المجتمع نفسه، وهذا ما يجعل العقيدة الأميركية – القائمة على التفوق الاستخباري، والضربات الدقيقة، وعزل الهدف – عقيدة قاصرة عن الفعل، فكيف يمكن لوحدة نخبوية أن تعمل حين تصبح المعلومة سلعة نادرة، وحين يُعاد تعريف البيئة الحاضنة بوصفها شبكة حماية أمنية، في غزة لا يُهزم التدخل النوعي بالنار، بل بالامتناع المجتمعي عن الكشف، وهو شكل من أشكال المقاومة لا تستطيع التكنولوجيا اختراقه.

الجغرافيا بدورها هي تفصيل استراتيجي، فالمساحة الضيقة، والكثافة السكانية، وشبكات الأنفاق، تعمل كعوامل تشويش على العقل العسكري القادم من ساحات مفتوحة، فالأنفاق لا تُخفي المقاتلين فقط، بقدر ما تُربك مفهوم السيطرة ذاته، وتُسقط فكرة الهيمنة من الأعلى، وتُدخل القوة المتفوقة في حرب تحت الإدراك.

الأهم من ذلك أن السرية الشعبية في غزة هي ثقافة بقاء، فالمجتمع الذي يعيش تحت الاستهداف الدائم، يُطوّر تلقائياً آليات حماية ذاتية، تجعل أي اختراق أمني مكلفاً وبطيئاً ومليئاً بالشكوك، وهنا، تفشل القوة النوعية لأنها غريبة عن النسيج الذي تحاول اختراقه. فغزة تُقاوم بتماسك المجتمع، وهو ما يجعلها بيئة طاردة لأي عقيدة عسكرية وافدة، مهما بلغت درجة احترافيتها.

من العمليات الخاصة إلى العجز الاستخباري

في غزة تَبيَّن أن مأزق وحدات النخبة يُمثل عجزاً عن إنتاج المعلومة الحاسمة، فالقوة النارية مهما بلغت دقتها، تفقد قيمتها حين تعمل في بيئة مغلقة على الاستخبارات، حيث لا تُعطي الضربات إجابات، ولا تُنتج التكنولوجيا اختراقاً اجتماعياً، ولهذا، فشلت المحاولات المتكررة – المعلنة وغير المعلنة – في تحرير الأسرى، لأن السؤال الأساسي: أين وكيف؟ ظل بلا إجابة عملية.

هذا العجز يعيد إلى الأذهان تجربة مقديشو عام 1993، حين دخلت دلتا فورس ساحة حضرية معادية بعقيدة العملية الخاطفة، فواجهت مجتمعاً متماسكاً وشبكات محلية صامتة، وانتهت العملية بسقوط ثلاث مروحيات بلاك هوك ومقتل 18 جندياً أميركياً، وتحول التدخل إلى هزيمة مدوّية، المقارنة مع غزة لا تتعلق بتشابه الظروف، بل بتكرار النمط: التفوق التقني يصطدم ببيئة ترفض الاختراق.

في غزة، تعمل المقاومة كشبكة لا مركزية، بلا قادة مكشوفين أو بنية هرمية قابلة للاستهداف، ما يُفرغ مفهوم الهدف عالي القيمة من معناه، وبهذا يتحول فشل تحرير الأسرى من إخفاق عملياتي إلى مؤشر على حدود القوة الأميركية حين تنفصل عن الفهم الاجتماعي العميق للميدان.

غزة تعيد تعريف ميزان القوة

في غزة لا تُقاس الهزيمة بعدد الآليات المدمَّرة ولا بعدد الجنود المصابين، تُقاس بمقدار التآكل الذي يصيب صورة القوة المقابلة، فالمقاومة هنا لا تهزم العدو عسكريًا فقط، بقدر ما تُخضعه لعملية استنزاف ذهني متواصل، حين تفشل القوة المتفوقة في تحقيق أهدافها الأساسية، يصبح وجودها ذاته موضع تساؤل.

فشل استعادة الأسرى يُجسّد هذا التحول بأوضح صوره، فهو إخفاقاً أمنياً وضربة مركّبة تمس جوهر المنظومة العسكرية والسياسية في آن واحد، أمنياً لأنه يكشف عجزاً عن الوصول إلى أكثر الملفات حساسية رغم تفوق الأدوات، وسياسياً لأنه يُسقط أحد أهم مبررات الحرب ويُربك السردية الرسمية أمام الجمهور الداخلي والخارجي، ومعنوياً لأنه يمنح المقاومة تفوقاً غير مرئي، قائماً على القدرة على الصبر، والكتمان، والتحكم بإيقاع المعركة.

وهكذا تُثبت غزة أن القوة تُقاس بقدرة الطرف على فرض منطقه الزمني والنفسي، فالمقاومة تحوّل كل يوم إضافي من الحرب إلى عبء على القوة المتفوقة، سياسياً وأخلاقياً وإعلامياً.

حين تسقط الهيبة دون معركة فاصلة

غزة لا تنتصر بالضربة القاضية، لأنها لا تلعب وفق هذا المنطق أصلاً، انتصارها يتشكّل ببطء عبر تآكل القوة المقابلة، وتعرية حدودها، وإجبارها على الاعتراف – صراحة أو ضمنياً – بأنها عاجزة عن الحسم، هذا النوع من الانتصار لا يُعلَن في البيانات، لكنه يتراكم في الوعي الدولي، وفي حسابات صناع القرار، وفي تراجع الثقة بجدوى القوة الصلبة حين تنفصل عن فهم السياق.

ما بعد دلتا فورس ليس سؤالاً عن وحدة بعينها، بقدر ما هو عن مرحلة كاملة من التفكير الاستراتيجي الأميركي، هل دخلت واشنطن مرحلة ما بعد الردع؟ أم أنها ستستمر في تدوير الأدوات ذاتها، بانتظار نتائج مختلفة؟ في غزة، الإجابة تأتي على شكل صمت ثقيل، وتأجيل دائم للحسم، واعتراف غير معلن بأن القوة، حين تفقد قدرتها على الإقناع، تفقد نصف معناها.

المصدر / فلسطين أون لاين