فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: 4)

يحيى عياش… في الذكرى الثلاثين للرحيل

في الأزمنة التي تتساقط فيها القيم عن أكتاف الرجال، لا يظهر بعضهم كأبطالٍ عابرين، بل كمعانٍ مكتملة تمشي على الأرض. كان يحيى عياش واحدًا من هؤلاء؛ لم يكن مجرد اسمٍ في الذاكرة الفلسطينية، بل فكرةً حيّة، وإرادةً واعية، وتجسيدًا نادرًا لمعنى الالتزام حين يغدو الالتزام عبئًا ثقيلًا على النفوس.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96)

وُلد في (رافات) قريةٍ هادئة، ونشأ في بيتٍ بسيط، يحمل في صمته ذكاءً لافتًا، وفي خجله عمقًا غير مألوف. حفظ القرآن صغيرًا، وتعلّم مبكرًا أن للأرض لغة، وأن للظلم صوتًا لا بد أن يُفهم قبل أن يُواجَه. لم يكن صاخبًا في حضوره، لكنه كان عميق الأثر، يؤمن أن العقول حين تستيقظ، تغيّر مجرى التاريخ دون أن ترفع صوتها.

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114)

حمل فلسطين لا بوصفها شعارًا، بل مسؤولية. رآها في تفاصيلها الصغيرة: في البيوت المتعبة، في عيون الأطفال، في الطرق التي تعرف أقدام أهلها، وفي الوجع الذي لا يحتاج إلى شرح. لم يفصل بين العلم والواجب، ولا بين الفكر والفعل، فصار نموذجًا لجيلٍ آمن أن المعرفة إن لم تُسخَّر لخدمة الناس، فقدت معناها.

﴿وَقل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (التوبة: 105)

تحوّل اسمه مع الزمن إلى رمز؛ عند خصومه علامة قلق دائم، وعند شعبه عنوانًا للقدرة على الفعل في زمن الإحباط. لم يكن حضوره مرتبطًا بمكان، بل بفكرة، ولهذا بدا عصيًّا على الاحتواء. غاب عن العيون طويلًا، لكنه كان حاضرًا في الوعي الجمعي، يذكّر بأن القوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في وضوح الهدف.

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود: 112)

وحين جاءت لحظة الرحيل، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140)، لم تُغلق الحكاية، بل فُتحت على اتساعها. لم يكن الغياب نهاية، بل انتقالًا من الجسد إلى المعنى، ومن الفرد إلى الجماعة. خرج الناس يودّعونه كما تُودَّع القيم الكبرى: بصمتٍ مهيب، ودمعٍ هادئ، وإجماعٍ داخلي على أن ما مثّله لن يزول.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (آل عمران: 169)

قال والده جملةً اختصرت كل شيء: «كلكم يحيى عياش». لم تكن عبارة عاطفية، بل توصيفًا دقيقًا لتحوّل الرجل إلى مدرسة، وإلى فكرة قابلة للتجدد في كل جيل. فمنذ ذلك اليوم، لم يعد الاسم حكرًا على صاحبه، بل صار مرآةً لكل من آمن أن للحق ثمنًا، وأن للكرامة طريقًا، وأن بعض الرجال لا يرحلون… بل يعيدون تعريف الحضور.

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)

المصدر / فلسطين أون لاين