فلسطين أون لاين

قيود الاحتلال وأثرها على عمل المنظمات الدولية.. غزة في السياق القانوني والتاريخي

لم يعد الوضع في غزة مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل غدا اختبارًا فعليًا لمدى التزام المجتمع الدولي بالقانون الدولي الإنساني، وقدرته على حماية المدنيين في مناطق النزاع.

فقيود الاحتلال المفروضة على القطاع لا تعيق حياة السكان فقط، بل تُقيّد عمل المنظمات الدولية، وتحدّ من قدرتها على أداء دورها الإنساني المفترض.

منذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، خضعت غزة لمنظومة متصاعدة من القيود على الحركة والموارد، بلغت ذروتها مع فرض الحصار الشامل بعد عام 2007.

هذا الواقع التاريخي أسهم في تحويل العمل الإنساني من نشاط إغاثي مستقل إلى مجال خاضع للاعتبارات السياسية والأمنية، على نحو يتعارض مع المبادئ التي تأسس عليها القانون الدولي الإنساني.

ينصّ هذا القانون، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، على التزامات واضحة تقع على عاتق قوة الاحتلال، من بينها ضمان توفير الغذاء والرعاية الطبية للسكان المدنيين، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية المحايدة.

وتؤكد الاتفاقية حظر العقوبات الجماعية، ومنع استخدام الحصار كوسيلة للضغط على السكان المدنيين.

وتبرز المادة (59) من الاتفاقية ذاتها بوصفها نصًا صريحًا يقرّ بحق السكان الواقعين تحت الاحتلال في تلقي المساعدات الإنسانية، ويلزم قوة الاحتلال بالسماح بمرور الإغاثة عندما تعجز الموارد المحلية عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

غير أن القيود المفروضة على غزة، سواء عبر إغلاق المعابر أو التحكم في نوعية وكمية المساعدات، تمثل إخلالًا واضحًا بهذه الالتزامات.

وتعمل منظمات دولية مثل الأونروا، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي في بيئة شديدة التعقيد، تُفرض فيها قيود على حركة الموظفين، وتُعطّل فيها سلاسل الإمداد، ويُشترط التنسيق الأمني المسبق. هذا الواقع يقوّض مبدأ الحياد والاستقلال الإنساني الذي كرّسته قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويجعل العمل الإنساني عرضة للتسييس.

فيما تنعكس هذه القيود مباشرة على الواقع الإنساني في غزة، مع تدهور الخدمات الصحية، وارتفاع معدلات الفقر وسوء التغذية، وتراجع خدمات التعليم والحماية الاجتماعية، خاصة للأطفال. كما يؤدي تقييد عمل المنظمات إلى إضعاف آليات الرصد والتوثيق، ما يحدّ من فرص المساءلة القانونية، ويُسهم في ترسيخ حالة الإفلات من العقاب.

أما على المستوى الدولي، فيتسم الموقف العام بازدواجية واضحة؛ إذ تصدر بيانات متكررة عن الأمم المتحدة والدول الكبرى تدعو إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، دون أن تُترجم هذه الدعوات إلى إجراءات ملزمة أو ضغط فعلي يكفل احترام القانون الدولي.

 من جهة اخرى، يكشف هذا التناقض عن فجوة تاريخية بين تطور النصوص القانونية الدولية، وغياب الإرادة السياسية لتطبيقها، وهي فجوة تتجسد بوضوح في الحالة الفلسطينية.

في المحصلة، لا تمثل قيود الاحتلال على عمل المنظمات الدولية في غزة أزمة إنسانية فحسب، بل أزمة قانونية وأخلاقية تمسّ مصداقية النظام الدولي برمته. ومن دون التزام جاد بتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، واحترام الدور المستقل للعمل الإنساني، ستبقى غزة شاهدًا على حدود العدالة الدولية حين تُفرغ من مضمونها العملي.

المصدر / فلسطين أون لاين