فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر – الأحزاب: 23)

الشيخ الشهيد الريان

لم يكن الشيخ الشهيد الريان مجرد اسم يُذكر بين الشهداء، بل كان شعلةً متقدةً من نور الحق، وصوتاً يهز جبروت الظالمين. اجتمعت فيه الصفات النادرة: العلم والعمل، الزهد والجهاد، القيادة والتواضع (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك – آل عمران: 159). جذوره متجذرة في القيم الأولى، ووعيه مشكّل بمعنى الرسالة والمسؤولية، فصار صوته زلزالاً يهز جبروت الجبابرة، وثباته مدرسة في الصبر الطويل وإرادة لا تلين.

دفع الريان ثمناً باهظاً: دمه، أهله، بيته، وراحته (ويتخذ منكم شهداء – آل عمران: 140)، لكنه أثبت أن الإرادة الصلبة تستطيع الوقوف في وجه الغطرسة، وأن الإيمان المقرون بالفعل قادر على صناعة التاريخ. فالشهيد الحقيقي لا يموت، وذكراه لا تنطفئ، وذاكرة الشعب لا تنسى من وهب حياته للحق.

وُلد الشيخ الريان في مخيم جباليا بتاريخ 6 مارس 1959، لأسرة هجرتها النكبة من قرية نعليا قضاء عسقلان (خير رباطكم عسقلان). ارتبط وعيه المبكر بالألم الفلسطيني؛ شهد استشهاد جده وعمه، فنشأ يرى التضحية كقدر يتوارثه الأحرار لا شعارات تُرفع. في 1977 التحق بالحركة الإسلامية، وبقي وفياً لمسيرتها الدعوية والفكرية حتى استشهاده في 1 يناير 2009، بعد حياة حافلة بالعطاء قاربت نصف قرن.

عرف الريان بتواضعه وقربه من الناس، وكان في أزقة جباليا رافعاً للمعنويات وراعياً للأسر المستورة، وبيته ملاذاً للطلاب وسنداً للفقراء، ومكتبته منارة للعلم والمعرفة (واخفض جناحك للمؤمنين – الحجر: 88). حياته كانت درساً عملياً بأن العلم لا يكتمل إلا بالخدمة، وأن القيم تُترجم بفعلٍ لا قول.

في العلوم الشرعية، برز في علوم الحديث الشريف، وقدم عدداً كبيراً من الأبحاث والمقالات، وكان رائداً في توظيف التقنيات الحديثة لخدمة العلم الشرعي (يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات – المجادلة: 11). خطيب مفوه، ومعلم ربان، حاضر بين الناس، لا يفصل بين المنبر والواقع، بل كانت حياته كلها رسالة للعلم والعمل معاً.

لم يكن الريان عالماً فحسب، بل قائداً جماهيرياً ومربياً حريصاً على وحدة الصف، مشاركاً في المسيرات والاعتصامات، يخاطب الناس بلغة الثبات والمسؤولية (الرائد لا يكذب أهله). عاش ما دعا إليه، وقدم أغلى ما يملك، فصار اسمه مرادفاً للصدق والالتزام.

في أوقات الشدة، كان حضوره باعثاً للطمأنينة، وكلماته تثبيتاً للقلوب، لا شعارات جوفاء، بل يقيناً هادئاً بأن للحق ثمناً، وأن الطريق مهما طال، يقطنه الصادقون.

نال الشيخ الريان ما كان يرجوه، ورحل تاركاً وراءه مدرسة مفتوحة الأبواب، تقول للأجيال: القدوة ليست أسطورة بعيدة، بل إنسان عاش بيننا وصنع أثره في زمنه. توثيق سيرته واجب، لتظل حكايات العظماء حاضرة، تعلم الأجيال أن القيم لا تموت، وأن العطاء هو معيار الخلود.

حروفُ رثاءٍ رَيّانُ نَزارُ

وسحبُ دماءٍ ثورتُه غِزارُ

تلوَّنتِ السماءُ بدفقِ قانٍ

فغطّى جبهةَ الشمسِ النشارُ

هي الأقدارُ تُحدِّثُنا بطَوْدٍ

جليلِ القدرِ يكسوه الوقارُ

المصدر / فلسطين أون لاين