{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾ }النور55
في لهيب محرقة غزة المشتعلة، تنبض القلوب يقينًا لا يزول، أن وعد الله الحق قادم لا محالة، وعدٌ يتجلى في انتصارٍ مستحق على الظلم والاحتلال، حيث يقف أهل الشمال المرابطون كالجبال الراسخة، يتسلحون بالإيمان والعمل والتضحية، يرفعون رايات الصبر والصمود، وينفخون الروح في جسد الأرض التي ابتليت لكن ستنتصر. هناك، في مهد الشهادة والكرامة، تصدح الأصوات بالتصديق بوعد الله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}، في زمن يتبدد فيه الظلام وتتساقط فيه جبروت الطغاة، حيث تُعيد الأيادي المخلصة بناء المساجد والقلوب، ويعلو صوت الحرية فوق أصوات القتل والإبادة، فتشرق شمس العدل والخلاص على هذه الأرض المباركة، وتعود فلسطين حرةً كريمة، تزرع في كل زاويةٍ أملًا جديدًا، وكرامة لا تُقهر، في مشهدٍ تاريخي تكتبه أقدام المجاهدين ودماء الشهداء، وهم يسيرون على نهج الله العظيم، الذي وعد بالتمكين والنصر والرد للمظلومين، ليعلو راية الحق وتنتهي صفحة الطغيان، ويبقى الحق منتصرًا على الدوام.
في محرقة غزة، في لياليها القاسية وأيامها الدامية، يصحبنا يقين أسمعه بشكل شبه جمعي من أهلنا في شمال غزة، بحتمية تحقق وعد الله تعالى على الأرض المقدسة المباركة: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (الإسراء: 7)، وفي انتظار تحقق وعد الله العام: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (المائدة: 9).
حسب غزة العزة، فإن الإيمان والعمل والإعداد والتسليم والتضحية هي نهج أهلها الصابرين المرابطين، فالتسليم المطلق لصاحب الأمر سمة عامة، تسمعها في فلتات الألسنة، وفي خضوع الدعاء لله العلي القدير، مع أخذٍ بالأسباب كاملة دون نقصان، ما استطاع شعبنا ومقاومته إلى ذلك سبيلًا: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم} (الأنفال: 60). والعالم يرى كيف أن فدائي غزة يقاتلون باللحم الحي والأظافر، وكيف يصنعون من مخلفات سلاح عصابات الإبادة عبواتهم التي يبارك الله فيها، فيرى العالم مصورًا كيف تتحطم أسطورتهم ودباباتهم متفحمة: {بِضَاعَتُهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}(يوسف: 65).
إن غزة، والله أعلم، تستحق أن يكون أمرها وأمر المنطقة العربية حولها قائمًا على أساس الإصلاح بتحرير فلسطين، لا الإفساد الصهيوني، وفق منهج العدالة، ليعم الأمن والطمأنينة والاحترام الإنساني، فهو أمر ليس استثناءً ولا طارئًا: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (النور: 55). أما عصابات الإفساد، فلا مقام لهم بإفسادهم، بل إن البشرية بأسرها مبتلاة بهم وبفسادهم العنصري.
والعاقبة لهؤلاء المستضعفين: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} (القصص: 6)، وهو تمكين محتوم على مدار التاريخ للمصلحين المجاهدين، الذين يقدمون التضحية والفداء، بعد أن تمكن أمر الله والدين من قلوبهم، فأصبح منهج الله عز وجل مهيمِنًا، ومنهَجًا شاملًا، سائدًا، بنيّة خالصة لله تعالى، وبذلك يزول الخوف: {لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}(النور: 55). قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 13-14).
إن معارك تحرير فلسطين، وآخرها طوفان الأقصى ومحرقة غزة، كانت فرقانًا بين الحق والباطل، وامتدادًا لهذه المعركة المستمرة حتى تحرير فلسطين، حيث يمثل الشعب الفلسطيني رأس الحربة لمشروع الحق والمظلومية، في مواجهة العدوان البربري الصهيوني، رأس الحربة لمشروع الباطل والشر والظلم الغربي. والاحتلال الظالم يستقوي بالقوة المادية والمدد الأمريكي، ظانًّا أنها مصدر النصر: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} (فصلت: 15)، لكن الله توعدهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (الأنفال: 36).
والله يقطع على نفسه عهدًا بنصر المؤمنين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} (النور: 55)، ووراثة الأرض: {الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128)، ووعد خاص لأهل فلسطين: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (الإسراء: 7).

