فلسطين أون لاين

رصاصةٌ اخترقت رأسها.. دانا "أكلتها وهي نائمة"

...
جثمان الطفلة الشهيدة دانا مقاط التي ارتقت برصاص الاحتلال في غزة
غزة/ أدهم الشريف

بين أنقاض الدمار بحي الزرقة، في الشمال الشرقي من مدينة غزة، حيث تمتد آثار حرب الإبادة إلى الأفق البعيد، ظَّن حسين مقاط وزوجته سامية، أن خيمة مصنوعة من النايلون والقماش الخفيف أمام ركام منزلهما، ستكون ملاذًا آمنًا لأبنائهما السبعة.

فالزوجان اللذان ذاقا مرارة الحرب منذ اندلاعها يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ونجيا مع أبنائهما بأعجوبة وقد عاشوا تفاصيل الإبادة والنزوح القسري، تجرعا أيضًا مرارة الفقد والحرمان بعدما قتلت رصاصة إسرائيلية طفلتهما دانا، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

"كانت داخل الخيمة ولم ترتكب أي ذنب.. أكلت الرصاصة وهي نائمة." بصوت خافت اعترضته غصَّة في الحلق، يروي حسين (43 عامًا) لـ "فلسطين أون لاين"، تفاصيل استشهاد ابنته دانا.

تعود الحكاية إلى عصر الثلاثاء الماضي، 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حيث لم يمض على انتهاء العائلة من تثبيت خيمة جديدة سوى بضع دقائق بعدما اهترأت خيمتهم القديمة، واخترقتها مياه الأمطار وأغرقتهم فيها.

كانت دانا الأكثر فرحًا بالخيمة الجديدة من بين أشقائها وشقيقاتها، وقد فضَّلت المكوث تحت سقفها الهشّ محاولة البحث عن دفء مفقود على فراش خفيف وتحت غطاء رطب.

وإن استطاعت الطفلة البالغة (10 أعوام) تفادي لسعات البرد، فهي لم تتمكن بالفعل من حماية جسدها الصغير من رصاصات الاحتلال المتطايرة في أجواء منطقة صارت مكشوفة بفعل الدمار المروع.

في الأفق القريب، يسمع ضجيج أصوات آليات جيش الاحتلال وهي تتحرك باستمرار قرب "الخط الأصفر"، الذي يبعد فقط عن منطقة سكن دانا وعائلتها، قرابة 500 متر، حيث تتمركز قوات الجيش وتستهدف الأحياء القريبة باستمرار.

في تلك المنطقة، لم يعد الدمار مشهدًا عابرًا في حياة الناس بل واقعًا يوميًا يخفي ورائه الكثير من الحكايات، يواجه النازحون تحت الخيام مخاطر كبيرة بفعل الرافعات الإسرائيلية؛ وهي آليات عسكرية يتجاوز ارتفاعها عشرات الأمتار محملة بأسلحة آلية، وتطلق نيرانها صوب المدنيين في خيام الإيواء.

علاوة على ذلك، ينهض موقع عسكري إسرائيلي أقامه جيش الاحتلال على تلة عالية شرق حي الزرقة، محاط بكتل اسمنتية ضخمة. في النهار يظهر بوضوح لسكان الحي، وفي المساء تدلل أضوائه القوية على مدى التجهيز العسكري الذي حظي به ذلك الموقع.

يضيف والد دانا: "نسمع أزيز الرصاص دائمًا فوق رؤوسنا ولا نستطيع فعل شيء.. في هذا المكان لا شي يحمينا، لا منازل، ولا أسقف، ولا جدران. فقط يوجد دمار."

يوم الحادثة، وبينما كانت دانا قد غالبها النعاس تحت الخيمة، انشغل أفراد العائلة بإحاطتها بقطع من الشوادر أملاً أن تصد عنهم موجات البرد والأمطار التي ضربت قطاع غزة، مؤخرًا.

في غضون ذلك، بدأت دارين تنادي شقيقتها دانا وتبحث عنها، قبل أن تدلف قدماها إلى الخيمة الجديدة، لتجدها في سباتٍ عميق، ووسادتها غارقة بالدماء.

لم تتحمل دارين (13 عامًا) قساوة المشهد، وبدأت تبكي وتصرخ بصوت مسموع، في حين تسارعت نبضات قلبها من شدة الخوف. على الفور جاءها تحسين مقاط، الذي كان أول من سمع صراخ ابنة شقيقه، وقد صدم أيضًا عندما رأى دانا تنزف بشدة.

سارع العمُّ إلى رفع الطفلة الجريحة عن فراشها ونقلها إلى مركبة تواجدت صدفة بالقرب منهم، ليطير بها إلى مجمع الشفاء الطبي أملاً في إنقاذ حياتها. في تلك اللحظات أدرك أفراد العائلة أن الرصاصات التي كانوا قد سمعوا أزيزها بين الفينة والأخرى، أصابت إحداها ابنتهم وهي نائمة.

كانت الرصاصة قاتلة بالنسبة لدانا، فقد اخترقت رأسها مباشرة وسببت لها نزيفًا حادًّا، وجعلت من إنقاذ حياتها أمرًا مستحيلاً.

يقول عمها تحسين لـ "فلسطين أون لاين": "كنت أتمنى أن تبقى على قيد الحياة.. لكنها نزفت بشدة وفارقت الحياة قبل وصولنا إلى الشفاء."

في اليوم ذاته لاستشهاد دانا، ووري جثمانها تحت الثرى وسط مشاعر حزن هيمنت على والدها ووالدتها، وأشقائها وشقيقاتها الستة، بعدما غيَّبتها الرصاصة الإسرائيلية قسرًا وتركت ورائها ذكرى مؤلمة لمن يمحوها مرور الزمان.

في بيت العزاء أمام أنقاض منزل العائلة، بدا الجميع مثقل ليس حزنًا على استشهاد دانا فحسب، بل خوفًا من القادم مع استمرار تعرض المنطقة لإطلاق نيران متقطع، وقذائف تندفع بعنف من دبابات جيش الاحتلال، وقنابل تُسقِطها المسيرات الحربية من نوع "كواد كابتر".

يقول تحسين: "الحياة كانت هادئة جدًا في منطقتنا لكنها بسبب الحرب والخروقات الإسرائيلية صارت كابوسًا.. نعم كابوسًا لا يحتمل."

تحت الخيمة ذاتها، التي صارت شاهدة على جريمة إسرائيلية جديدة، يعيش من تبقى من أفراد عائلة دانا، وسط ظروف إنسانية صعبة رافقتهم في خضَّم حرب الإبادة وحتى بعد سريان اتفاق وقف إطلاق يوم 10 أكتوبر 2025.

في ساعات النهار يحرص الزوجان حسين وسامية، على تفقد أبنائهما باستمرار خشية أن تصيبهم رصاصات أخرى، وبحلول المساء لا يجدان أي تدابير لحمايتهم من الخروقات الإسرائيلية، سوى النوم بجوار أبنائهما والدعاء لهم؛ ألا يصيبهم أي مكروه.

تقول سامية (36 عامًا): "لا نستطيع التحمل أكثر ولا يوجد مكان آخر نذهب إليه، فالعيش قاسٍ هنا. فقدنا ابنتنا الغالية دانا، ولا نعلم من سنفقد بعد ذلك."

المصدر / فلسطين أون لاين