تذيّل الاحتلال الإسرائيلي المرتبة الأخيرة عالميًا في مؤشر السمعة الوطنية للعام الثاني على التوالي، في انعكاس مباشر لتدهور صورته الدولية عقب المجازر التي ارتكبها في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بالتزامن مع اتساع حملات المقاطعة، وتصاعد العزلة الدولية، وتراجع الدعم الغربي للاحتلال خلال عام 2025، إلى جانب تحوّل ملحوظ في الموقف الأوروبي.
ولم يقتصر تراجع الصورة الدولية على مستوى الدولة فحسب، بل طال المجتمع أيضًا، وفق ما أوردته صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية، استنادًا إلى نتائج المسح العالمي الذي أعدّه خبير العلامات الوطنية سايمون أنهولت، والمعروف باسم "مؤشر أنهولت للسمعة الوطنية".
وعلى الرغم من أن "إسرائيل" حظيت بدعم واسع من عدد كبير من دول العالم عقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بما في ذلك أبرز الدول الغربية، وبدعم شبه مطلق من الولايات المتحدة، فإن هذا الدعم بدأ يتآكل تدريجيًا مع انكشاف حجم المذابح والدمار الهائل في قطاع غزة.
تحوّل أوروبي
وشهدت أوروبا تحولًا واضحًا في موقفها تجاه "إسرائيل" مع تصاعد الحرب على غزة. فعلى المستوى الرسمي، أبدت حكومات أوروبية حليفة للاحتلال انتقادات حادة، وصلت إلى تبني خطوات ضغط ملموسة. ففي 20 أيار/مايو 2025، أعلنت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي إطلاق مراجعة لـ"اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل"، الموقعة عام 1995 والمطبّقة منذ عام 2000، والتي تشكل الإطار القانوني الأوسع لتنظيم العلاقات السياسية والتجارية والعلمية بين الجانبين.
وحققت حملات المقاطعة ضد "إسرائيل" إنجازات لافتة، كان من أبرزها إعلان الصندوق السيادي النرويجي، وهو الأكبر عالميًا من حيث إدارة الأصول التريليونية، في نهاية آب/أغسطس 2025، قراره التاريخي بسحب استثماراته من خمسة بنوك إسرائيلية كبرى، هي: بنك لئومي، وبنك هبوعليم، وبنك مزراحي–تفاحوت، والبنك الدولي الأول لإسرائيل، وشركة "FIBI" القابضة.
وقبل ذلك، وفي حزيران/يونيو 2025، كان الصندوق قد سحب استثماراته من 23 شركة إسرائيلية، وتخلّص من كامل حيازاته من السندات الإسرائيلية، البالغة نحو نصف مليار دولار، في خطوة بعثت برسالة قوية إلى الأسواق الدولية بشأن هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي، بحسب بيانات صادرة عن "حركة المقاطعة".
كما أعلن صندوق التقاعد الهولندي "ABP"، أحد أكبر صناديق التقاعد في العالم، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بيع كامل أسهمه في شركة "كاتربيلر" بقيمة 387 مليون يورو، بعد أن كان قد صفّى، في نيسان/أبريل من العام نفسه، استثماراته في شركات كبرى مثل: "موتورولا"، و"تيفا"، و"كوكاكولا – الولايات المتحدة"، و"بوكينغ هولدينغز".
وأعلنت ذراع الابتكار التابعة لشركة سامسونغ، "Samsung Next"، إغلاق كامل عملياتها في تل أبيب في نيسان/أبريل 2025، في خطوة وُصفت داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية بالصدمة، نظرًا للدور المحوري الذي لعبته الشركة في دعم المنظومة التكنولوجية المحلية.
كما أغلقت شركة "إنتل" عام 2025 شركة "Granulate" الإسرائيلية الناشئة، التي كانت قد استحوذت عليها مقابل 650 مليون دولار، بعد فشلها في إيجاد مشترٍ لها بسبب ما وُصف بـ"سُميّة" الأصول المرتبطة بالاحتلال.
وعلى الصعيد الأكاديمي، صوّتت هيئة التدريس والمكتبات في جامعة "ماكغيل" الكندية، بأغلبية 114 صوتًا مقابل 8، لصالح تبني المقاطعة الأكاديمية والثقافية الشاملة "لإسرائيل" في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ودعت الجامعة إلى قطع جميع العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية المتواطئة، بما في ذلك إلغاء الشراكات البحثية مع جامعة تل أبيب، عقب إضرابات طلابية واعتصامات استمرت 75 يومًا.
صورتها في الولايات المتحدة
ورغم الدعم الأميركي غير المسبوق "لإسرائيل" خلال الإبادة، إلا أن هذا الدعم بات يواجه انتقادات داخلية متزايدة. فقد رأى مقال نشرته مجلة "ناشونال إنترست" أن على الولايات المتحدة الامتناع عن تقديم تعهدات بدعم عسكري طويل الأمد لـ"إسرائيل".
ودعا المقال الكونغرس والرأي العام الأميركي إلى استخدام تعليق المساعدات العسكرية أداة ضغط لإجبار "إسرائيل" على وقف إطلاق النار في غزة، والحد من هجماتها على الفلسطينيين.
وفي مؤشر إضافي على تراجع صورة الاحتلال في الولايات المتحدة، أظهرت استطلاعات رأي أن 59% من الديمقراطيين يرون ضرورة تقليص الدعم العسكري الأميركي "لإسرائيل"، مقارنة بـ44% في استطلاعات سابقة.
في المقابل، لا يزال الدعم الجمهوري للحرب على غزة أعلى نسبيًا، لكنه تراجع من نحو 68% عام 2023 إلى 52% في عام 2025، ما يعكس تحولًا أوسع في المزاج الشعبي الأميركي تجاه الحرب الإسرائيلية.
وبحسب تصريحات محللين وسياسيين لشبكة "CNN"، فإن هذا التحول يعكس تأثير صور الدمار والضحايا والمجاعة في غزة، وتنامي الانتقادات لسياسات الحكومة الإسرائيلية، ما قد ينعكس مستقبلًا على مواقف داخل الكونغرس، وربما على قرارات البيت الأبيض.
وعلى المستوى الأكاديمي الأميركي، تسارع تمرير قرارات المقاطعة خلال عام 2025، إذ أقر اتحاد الطلبة في جامعة ميريلاند (UMD) في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2025 قرارًا بتبني حركة المقاطعة، في سابقة هي الأولى من نوعها بعد محاولات فاشلة أعوام 2017 و2019 و2024.
سنة دفاع وتبرير
ويقول المختص بالشأن الإسرائيلي أمين الحاج إن عام 2025 كان عامًا ثقيلًا على "إسرائيل"، اتسم بالدفاع والتبرير، حيث بدت المؤسسة السياسية متوترة، والإعلام مرتبكًا، والدبلوماسية في حالة طوارئ دائمة، في ظل تراجع فاعلية السردية الرسمية للاحتلال، وتحولها إلى موضوع مساءلة ونقد متزايدين.
وأضاف الحاج، في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، أن النظرة السلبية "لإسرائيل" ارتفعت خلال العام، ليس فقط في دول الجنوب، بل أيضًا في دول الشمال، وخاصة في أوروبا الغربية، مشيرًا إلى أن السؤال لم يعد: "كيف نقنع العالم؟"، بل: "كيف نوقف النزيف؟".
وأوضح أن هذا الواقع راكم مؤشرات القلق من العزلة الدولية، مع انتقال الصراع إلى ساحات قانونية يصعب التحكم بها، وباتت صورة "إسرائيل" أقرب إلى كيان يواجه أزمة شرعية متنامية في النظام الدولي، لا مجرد دولة في نزاع.
وتابع: "حتى داخليًا، سقطت صورة الدولة القوية المتماسكة والنموذج الديمقراطي، وبرز الانقسام السياسي، وتضارب المصالح، والفساد، والتوتر مع الجاليات اليهودية في الخارج".
وحول تأثير المقاطعة، رأى الحاج أنها لم تخنق الاقتصاد الإسرائيلي بالكامل، لكنها كسرت هيبته الأخلاقية، ونقلت المعركة من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمعات والمؤسسات، مشيرًا إلى أن المقاطعة لم تعد حكرًا على النشطاء والطلاب، بل أصبحت خطابًا مألوفًا في الجامعات والنقابات والدوائر الثقافية.
وأضاف أن المقاطعة رفعت كلفة الارتباط بالاحتلال أو التعاون معه، ما دفع شركات إلى إغلاق فروعها، وفنانين إلى الانسحاب من فعاليات، وأطراف عدة إلى إعادة حساباتها، وهو ما دفع الاحتلال إلى الرد بالتهديد والتجريم والضغط، في اعتراف ضمني بخطورة هذا المسار.
وأكد أن تجريم المقاطعة بحد ذاته دليل على مأزق الاحتلال، لأنه يواجه نمطًا من المواجهة لا تُجدي معه القوة العسكرية ولا الخطابات السياسية.
وختم بالقول إن الدعم الدولي لإسرائيل لم ينهَر كليًا، لكنه تراجع نوعيًا، إذ بات الرأي العام في كثير من الدول أقل تعاطفًا وأكثر نقدًا، وظهرت في المؤسسات الدولية أنماط متكررة من التصويت الجماعي ضد الاحتلال، ما يشير إلى عزلة متزايدة وتراجع دور المدافعين التقليديين عنه.
وأشار إلى أن مشهد خلو قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء كلمة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كان دلالة رمزية على هذا التحول، موضحًا أن الحكومات الكبرى، رغم حفاظها على علاقاتها الرسمية، باتت أكثر حذرًا وبرودًا في خطابها، في ظل اتساع الفجوة بين مواقف الحكومات وشعوبها، وتحول الدفاع العلني عن الاحتلال إلى عبء سياسي لا مكسبًا.

