تُصرُّ السلطة في رام الله على الانحياز للجلاد على حساب الضحية، بمُشاركتها في تقديم التعازي لذوي القتلى الإسرائيليين، والمساعدة في أحداث تضرُّ بالأراضي المحتلة، وسط تجاهل واضح لكل معاناة ومآسي الشعب الفلسطيني، من جراء استمرار الجرائم الإسرائيلية.
وأخيرًا، توجَّه وفد من السلطة برئاسة محمود الهباش، المستشار الديني لرئيس السلطة محمود عباس، لتقديم التعازي لعائلة القتيل الإسرائيلي "تيران بيرو"، عقب تسليم جثته التي احتجزها مقاومون في مخيم جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة.
ولاقت هذه الخطوة استهجانًا كبيرًا من عشرات الفلسطينيين، خاصة في ظل تجاهل السلطة معاناة أهالي الشهداء وخاصة المحتجزة جثامينهم لدى الاحتلال الذين بلغ تعدادهم 117 فلسطينيًّا، إضافة إلى 256 جثمانًا في "مقابر الأرقام".
المطارد نضال خازم ابن عم الشهيد رعد خازم، يقول في تغريدة له عبر صفحته على "تويتر": "اللي راحوا على عزا الدرزي الساقط تيران هم نفس الدم ونفس فصيلة الخون اللي راحوا على عزا بيريز".
وأضاف: "يا خون بالمخيم طول الوقت في بيوت أجر للشهداء ما شفنا ولا حدا منكم هون وكلاب السلطة اللي قتلوا حالهم يرجعُّوا الجثة يا ريت نشوف نفس اللهفة ونفس الشغل اللي عملتوه لترجيع جثامين الشهداء في مقابر الأرقام؛ الشاطر اللي بدو يطلع ويأخذ رتب على ظهر المخيم".
ونشر الناشط عمر الشاعر عبر "تويتر" صورة لوفد السلطة في أثناء تعزيته لـ "بيرو" وعلّق عليه بقوله "وفد رسمي من السلطة يعزي بوفاة الجندي الإسرائيلي الدرزي تيران بيرو الذي كان مقاتلًا في وحدة اليمام".
وأضاف: "تيران مشارك في قتل عشرات الفلسطينيين واقتحام منازلهم وترويع واعتقال أهلها (..) عباس وجماعته ومؤيديه عار يمشي على الأرض".
وكتب الناشط عزات جمال "وفد من السلطة برئاسة الهباش يُعزّي بوفاة الدرزي "تيران بيرو" عقب تسليم جثته التي كانت محتجزة في مخيم جنين، في حين تتجاهل السلطة ذاتها ومؤسساتها وقياداتها، معاناة عوائل ما يزيد على 500 شهيد يحتجزهم الاحتلال في مقابر الأرقام أو ثلاجات الموتى، ويحرم ذويهم دفنهم بطريقة إنسانية لائقة".
هذه الزيارة لم تكن الأولى للسلطة، حيث سبق أن شارك رئيس السلطة محمود عباس على رأس وفد رفيع المستوى، في مراسم تشييع رئيس دولة الاحتلال السابق شمعون بيريز، في الثلاثين من شهر سبتمبر/ أيلول عام 2016 بمدينة القدس المحتلة.
وأظهرت الصور آنذاك عباس وهو يُصافح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته، وتبادل معهما أطراف الحديث.
ويُعلق المتحدث باسم الحملة الشعبية لاستعادة جثامين الشهداء محمد عليان، بقوله: إنّ "الهباش وبقية أعضاء السلطة لا يؤدون أيّ واجب تجاه الشهداء الفلسطينيين على مختلف الأصعدة سواء الدينية أو الأخلاقية أو السياسية، حتى وصل بهم الأمر لاعتبارهم سببًا في تعطيل مصالحهم الشخصية".
وأضاف عليان لـصحيفة "فلسطين"، "لم ولن ننتظر زيارة الهباش وغيره لعائلات الشهداء وقيام السلطة وبعض المتنفّذين فيها بواجبهم تجاه استعادة جثامين الشهداء لدى الاحتلال".
وبيّن أنّ عائلات الشهداء لم تتفاجأ من زيارة الهباش "فهو صاحب مواقف سلبية ومثيرة للجدل تجاه القضية الفلسطينية برمّتها، وليس فقط الشهداء"، موضحًا أنّ "عائلات الشهداء لا تتشرف بوجود الهباش في بيوت عزاء أبنائها".
وعدّ تلك الزيارة التي لم تكن الأولى للهباش وقيادة السلطة، أنها تأتي في إطار ما يُسمى "رفض وإدانة المقاومة الفلسطينية في جنين ونابلس وكل مدن الضفة".
وتابع: "هذه المقاومة لا تنسجم مع مصالح قيادة السلطة الشخصية، لذلك هم يريدون أن يؤدوا الولاء للاحتلال"، لافتًا إلى أنّ قيادات السلطة قدّموا التعازي للاحتلال في أكثر من مناسبة عدا عن الزيارات الشخصية، في المقابل يستنكرون أفعال المقاومين الفلسطينيين.
وشدّد عليان على أنّ هذه التحركات من السلطة "تتساوق مع مصالحهم الشخصية وليس الوطنية، فهم بعيدون كل البُعد عن المشروع الوطني الذي يتغنون به".
إطفاء الحرائق
وفي تاريخ السابع عشر من شهر أغسطس/ آب عام 2021، تعرضت منطقة جبال القدس المحتلة إلى حرائق ضخمة، وحينها قدّمت السلطة في رام الله عرضًا للاحتلال بالمساعدة في إخمادها، حسبما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، حينها.
وأفادت الصحيفة، بأنّ السلطة أرسلت 4 فرق إطفاء (20 إطفائيًّا و4 سيارات إطفاء) من الضفة الغربية، ووصل رجال الإطفاء الفلسطينيون إلى محطة إطفاء بيت شيمش وبدؤوا بالانضمام إلى جهود الإطفاء.
ويقول الناشط السياسي فخري جرادات، إنّ هذه الفئة -السلطة- فقدت إنسانيتها منذ زمن بعيد، فهم دائمًا يسعون لتقديم أوراق اعتماد لدى الاحتلال من أجل الحصول على الرضا منه.
وأوضح جرادات لصحيفة "فلسطين"، أنه في كل يوم يرتقي الشهداء في مدن الضفة، لكن دون أن يتقدم أيٌّ من قيادات السلطة لتقديم التعازي لذويهم، أو يُشجّعهم على الصمود ومقاومة الاحتلال".
وبيّن أنّ هذه الإجراءات التي تنتهجها السلطة تُعمّق أزمتها مع الشارع الفلسطيني، لكونها لا تولي اهتمامًا لإرضاء الناس بقدر إرضاء الاحتلال الذي يُبقيها على كُرسي الحُكم.
وفيما يتعلق بتقديم المساعدة للحرائق، فقد أكد جرادات أنّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أولى بتقديم الدعم وإرسال المُعدات اللازمة للدفاع المدني في القطاع، مشيرًا إلى أنّ غزة تتعرض لحصار إسرائيلي بمشاركة السلطة.
وختم حديثه: "هذه القيادة استمرأت أن تتواصل مع الأعداء وابتعدت عن كل شيء يُحسّن حياة شعبها".

