بناء الإنسان المسلم مسألة ليست سهلة، وليست صعبة أيضاً، فهي منزلة بين المنزلتين، وتتوقف على همة الباني ورغبة المُراد بناؤه، فقد أولى الإسلام اهتماماً كبيراً لبناء الشخصية المسلمة من كل النواحي البدنية والعقلية والروحية والاجتماعية وغيرها، وهذا أمرٌ مرده أن الله عز وجل جعل الإنسانَ محور هذا الكون، ولكي يحسن الإنسان استثمار وإدارة الحياة، يجب أن يسير في حياته، على بصيرة.
وعلى ذكر "على بصيرة" فهي ليست جملة تُقال من فراغ، أو من باب الترف والأمنيات، بل لها جذور إيمانية ثابتة في القرآن، فقد وردت في سورة يوسف: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108).
"على بصيرة" يشير إلى أن السير إلى الله عز وجل يجب أن يكون وفق خطة مبنية على الفهم ووضوح الهدف والرؤية والوسيلة واختيار الرجال الأكفاء للقيام بالمهمة المقدسة للحصول على نتائج إيجابية، وهنا نذكر الآية الواردة في سورة المُلك: (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم) (الملك: 22)، والآية فيها لطائف عديدة، ففيها سؤال "أفمن" وفيها مقارنة "أم" وفيها تضاد "مكباً على وجهه" ضد "سوياً على صراطٍ مستقيم"، ومكباً على وجهه تشير إلى أن من الناس من يسير بلا هدف، بلا خطة، بلا وسيلة، وتقارنه بالإنسان الذي يسير على صراطٍ المستقيم، بخطة وهدف ورؤية ووسيلة، حتما ستكون النتيجة، إنهما لا يتساويان، فالسائر وفق خطة سيصل ويحقق مراده.
توضيحا لما سبق فإن "على بصيرة" هو مشروع دعوي بدأته منذ عدة شهور وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، في محاولة منها لسد الثغرات التي أوجدتها الحرب الإسرائيلية المسعورة على غزة، والتي أثرت سلبياً إلى حدٍ ما في أخلاق بعض الناس، وهذه يمكن تسميتها الحرب الناعمة.
"على بصيرة" جاء ليواجه المشروع الإسرائيلي فيما يعرف بـ "كي الوعي" عند الشعب الفلسطيني، ويعيد بوصلة الأخلاق إلى وجهتها الصحيحة من خلال إعادة تأهيل وتعليم الدعاة وتدريب دعاة جدد، وهو برنامج متعدد المساقات، بين عقيدة وتاريخ وأخلاق وفقه، ليشكل باقة علمية جميلة يستنشق المتعلم عبيرها من خلال معلمين حريصين على بناء الوعي الفلسطيني.
إن "على بصيرة" هو مطلبٌ شعبيٌ عام؛ لأن الضرر الذي سيلحق بأحد منا من المؤكد أنه سيصيب الجميع، لذا على الجميع أن يقوم بدوره لحماية الجبهة الداخلية مما علق بها من شوائب الحرب التي لم تضع أوزارها بعد؛ لأن الله عز وجل قال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". ولأننا كما قال أحد فلاسفة اليونان: "نحن جميعاً نجدف في القارب نفسه"، وكما قالت الحكمة: "اليد تغسل الأخرى، والاثنتان تغسلان الوجه"، فنحن الآن بحاجة ماسة جداً إلى التعاون والتكافل وحمل المسئولية لنجدف في قارب الحياة بقلوبنا قبل سواعدنا، حتى تغسل يُمنانا يُسرانا، وتغسل كلاهما وجوهنا، ونصل إلى بر الأمان. ويسعدني أني أحد طلبة العلم في هذا المشروع، فالتحقوا يا أولي الألباب.
وكل الشكر والتقدير للقائمين على المشروع. ومن يعش يروِ البقية.

