فلسطين أون لاين

غزة تحت حصار الدواء.. مرضى على حافة الحياة

...
نفاد الأدوية يضع حياة آلاف المرضى في غزة على حافة الخطر (أرشيف)
غزة/ عبد الله التركماني:

في زاوية ضيقة داخل غرفة غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يحدق محمد زيارة (54 عاما) في أنابيب تمتد من ذراعه إلى جهاز يقرر مصيره ثلاث مرات أسبوعيا. لم يعد الرجل يتحدث كثيرا كما كان في السابق، لكنه حين يفعل، تكون كلماته قصيرة ومثقلة بالتعب.

يقول زيارة لصحيفة "فلسطين": "لم أعد أخاف من الغسيل نفسه، بل من أن يتوقف الدواء". فهو يعاني فشلا كلويا مزمنا، ويحتاج إلى أدوية ثابتة تحافظ على استقرار ضغط الدم ونسبة السموم في جسده، إضافة إلى مكملات ومضادات حيوية لا تتوفر بشكل دائم.

وتعيش غزة واحدة من أخطر أزماتها الصحية منذ سنوات، مع تسارع نفاد الأدوية والمستهلكات الطبية بشكل غير مسبوق، في ظل استمرار قيود الاحتلال المفروضة على إدخال الإمدادات الطبية إلى غزة على الرغم من مرور أكثر من 8 أشهر على وقف إطلاق النار. وتحذر وزارة الصحة من أن أكثر من ثلث الأدوية الأساسية بات بلا مخزون، في حين تقترب مئات الأصناف الأخرى من النفاد بالكامل، ما يضع حياة آلاف المرضى على حافة الخطر، خصوصا مرضى السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة.

هذه الأزمة لا تتعلق بأرقام مخزنية فقط، بل تنعكس مباشرة على غرف العمليات، وأقسام الطوارئ، ووحدات غسيل الكلى، والعيادات التخصصية، إذ يتأخر العلاج أو يتوقف كليا. ومع استمرار نقص الدواء، تتوسع قائمة المرضى الذين يفقدون القدرة على الحصول على علاج أساسي كان في السابق متاحا، ليصبح المرض في كثير من الحالات مسارا مفتوحا نحو المضاعفات أو الموت البطيء.

تغير خطير

في الأشهر الأخيرة، بدأ زيارة يلمس التغير الخطير. بعض الأدوية اختفت تماما من المستشفى، وأخرى أصبحت توزع بجرعات أقل من المطلوب. يروي قائلا: "في كل مرة أذهب فيها إلى الصيدلية يقولون لي لا يوجد. أخرج وأنا لا أعرف ماذا سيحدث لي غدا".

زوجته تقف بجانبه أثناء جلسات الغسيل، وتقول إن حالته تتدهور في الأيام التي ينقطع فيها الدواء: "نراه يضعف أمامنا. يتورم جسده، ويشعر بدوخة مستمرة. نخاف أن تأتي لحظة لا يعود فيها جهاز الغسيل كافيا لإنقاذه".

زيارة لا يطلب الكثير، كما يقول، فقط "دواء منتظم يحافظ على بقائي على قيد الحياة". لكنه يضيف بحسرة: "في غزة، حتى البقاء أصبح يحتاج إلى معجزة". وبين جلسة وأخرى، يعيش الرجل على أمل أن لا يكون النقص القادم في الدواء هو الفاصل الأخير في رحلته مع المرض.

 الضوء يختفي تدريجيا

في حي النصر غرب مدينة غزة، يجلس محمد جلال، (71 عاما)، قرب نافذة خشبية مفتوحة، يحاول أن يميز ملامح الأشياء من حوله، لكنه لم يعد يرى سوى ظلال متداخلة. يعاني جلال من مرض متقدم في قرنية العين، يتطلب علاجا دوائيا مستمرا لإبطاء فقدان البصر، لكنه منذ أشهر لم يتمكن من الحصول على العلاج.

يقول جلال لصحيفة "فلسطين": "كنت أرى العالم بوضوح قبل عامين، اليوم أرى الحياة كأنها تختفي تدريجيا". يضيف: "قال لي الطبيب إن الدواء هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقف التدهور، لكن أين هو الدواء".

ابنه يرافقه إلى الصيدليات العامة والخاصة، لكن الإجابة تتكرر دائما: لا يوجد دواء. ومع مرور الوقت، بدأ جلال يفقد قدرته على التمييز بين الضوء والظل، وأصبح الخروج من المنزل محفوفا بالخطر.

يقول ابنه: "نخاف أن يفقد بصره بالكامل. نحاول أن نبحث عن الدواء في كل مكان، لكن المخزون شبه معدوم". ويضيف أن والده أصبح يعتمد عليه في أبسط تفاصيل حياته اليومية، من الحركة إلى تناول الطعام.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.29.03 PM.jpeg
 

المسن محمد جلال لا يطلب سوى فرصة بسيطة ليحافظ على ما تبقى من بصره: "لا أريد أن أعيش في ظلام كامل. أريد فقط الدواء الذي وعدوني به". لكنه يدرك أن الوقت يمر بسرعة، وأن كل يوم تأخير يقربه أكثر من فقدان النور نهائيا.

 أوضاع متدهورة

وحذرت وزارة الصحة في قطاع غزة من تدهور خطير في الوضع الدوائي، مؤكدة أن أكثر من 180 صنفا دوائيا أساسيا من أصل 520 صنفا باتت رصيدها صفرا، أي ما يزيد على ثلث قائمة الأدوية الأساسية. كما سجلت الوزارة نفاد 50 صنفا من أدوية الأورام من أصل 97 صنفا متوفرا.

وأوضحت الوزارة في بيان لها نشرته الخميس الماضي أن 79 صنفا من المستهلكات المخبرية أصبحت بلا رصيد، إضافة إلى 265 صنفا من المستهلكات الطبية التخصصية التي وصلت إلى الصفر، بما في ذلك مواد حيوية تستخدم في العمليات الجراحية وغسيل الكلى والقسطرة القلبية.

وأشارت البيانات إلى تنفيذ نحو 65 ألف عملية جراحية خلال عام 2025، ونحو 19.5 ألف عملية منذ بداية عام 2026 حتى الأول من يونيو، في حين تم تأجيل أكثر من 11 ألف عملية بسبب نقص المستهلكات والإضرابات.

وأكدت الوزارة أن الأزمة المالية الناتجة عن احتجاز أموال المقاصة أدت إلى تراكم ديون على الوزارة بلغت 3.8 مليارات شيكل، منها 1.3 مليار شيكل مستحقة لموردي الأدوية والمستهلكات الطبية، ما أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد ونقص حاد في المخزون.

كما دعت الوزارة إلى توفير دعم عاجل بقيمة 100 مليون دولار للأدوية المنقذة للحياة والأدوية ذات الأولوية، إضافة إلى 60 مليون شيكل شهريا لتغطية رواتب العاملين، وضمان استمرار النظام الصحي من الانهيار الكامل.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.29.23 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين