"مبني للمعزول".. معرض يحاكي واقع الشباب الغزي المنهك

...
غزة/ مريم الشوبكي:

واقع الشباب الغزي الصعب في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 15 عامًا، ترجمه مجموعة من الفنانين على شكل لوحات في معرض بعنوان "مبني للمعزول"، تعبر كل واحدة منها عن المشاكل التي تخنقهم، كالحرمان من حرية التنقل، والسفر، والاتصال والتواصل، والصحة والتعليم، والتجارة.

وشارك في معرض الفنون البصرية المعاصرة، الذي نظمته اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمركز رشاد الشوا الثقافي غربي مدينة غزة، يومي الأربعاء والخميس، بالتعاون مع مركز محترف شبابيك اثنا عشر فنانًا وفنانة من جيل الشباب.

قد يكون العنوان غير مُعتاد لمعرضٍ للفنون البصرية، لكنه يعبر بصدق عن تبعات تحويل مساحة سكنية إلى نموذج سجن مكبّر تبلغ مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، يسكنها ما يزيد على مليوني نسمة، نتيجة ما تعانيه من عزلة بسبب الحصار.

حينما تسأل الشباب الغزي عن حياتهم يشبّهونها بـ"علب السردين" الصغيرة محكمة الإغلاق والأسماك فيها متراصة فوق بعضها البعض، ومن هنا استلهم الفنان محمد جحلش فكرة لوحته التي أطلق عليها "كعلبة سردين" في التعبير عن معاناة أقرانه في قطاع غزة.

وضمّت اللوحة 30 "علبة سردين"، وهي العلب التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" ضمن "الكابونة الغذائية" التي تمنحها اللاجئين كل ثلاثة أشهر، حيث جسد بداخلها رموزا نحتية عن نقص الدواء، والبطالة، وتدهور التعليم، والسفر، والصحة.

يقول جحلش (35 عامًا) لصحيفة "فلسطين": "اخترتُ علبة السردين خصيصًا لأنها تشبه قطاع غزة من ناحية الإغلاق المفروض عليه من جميع الاتجاهات، ومجاله البحري المغلق أيضًا، ومنع التنقل منه وإليه إلا بتصريح من الاحتلال، وغالبًا لا يمكن الحصول عليه حتى لغرض العلاج".

ويضيف: "في داخل العلبة، نرى السردين المكتظ المشابه لحالة الكثافة السكانية التي نعيشها في القطاع والمشكلات التي يعانيها الشباب".

أحلام عالقة

وفي عمل فني آخر لهيكل على هيئة إنسان بحجمه الطبيعي، عليه عناصر معدنية مجمعة، ومثبتة، بتوزيع غير منتظم، حمل اسم "أحلام عالقة" شكله الفنان عساف الخرطي.

عن هذا العمل يقول الخرطي لـ"فلسطين": "على صخرة الواقع الصعب في غزة تتحطم كل الأحلام والطموحات، لكنك بشيء من الصبر والتحمل تستطيع تجاوز عثرات الحياة".

وأضاف "تمر على الشباب سنوات عديدة من العزلة، يذوقون فيها كل أنواع الفقر والعجز والحاجة والاحتياج، لكنهم يصمدون وينفضون الإحباط والفشل، ولا يزالون يقاومون صابرين صامدين واقفين بكل شموخ، يملؤهم الأمل بأن الآتي أفضل والثقة بأن الغد أجمل".

أما الفنانة شيماء حسنين فتحاكي أحلام وطموحات الشباب من خلال عملها "لا يوجد إشارة"، وهو عبارة عن عدد من الأقمار الصناعية التي تلتقط إشارة البث التلفزيوني، متصلة بتوصيلات تؤدي إلى شاشة عرض مسطحة.

تشرح حسنين لـ"فلسطين" عن عملها الفني بالقول: "اللوحة تعكس مفهوم العزلة وانعدام الوصول إلى إشارة البث التي يعاني منها الغزيون كثيرا بسبب طائرات الاحتلال المُسيرة التي تغزو سماءهم".

وتضيف: "كان طبق استقبال الأقمار الصناعية (الستالايت) مصدر إلهام لي منذ طفولتي، كنت أجلس بداخل صحن الستالايت كبير الحجم المثبت على أرضية سطح المنزل وأنظر للسماء متأملة، أسرح بخيالي الطفولي في أمورٍ أشبه بأحلام اليقظة".

وتبين حسنين أنها حينما كبرت زاد اهتمامها بـ"الستالايت" فأصبح كنهج تتبعه في حياتها وفي أعمالها الفنية، وتتتبع بواسطته أرشيف الذاكرة.

وترى أن غزة هي صحن "ستالايت" كبير تقطعت أسلاكه وفقد إشارات بث الإرسال والاستقبال، وكما ترى حوله صحون "ستالايت" صغيرة معلقة كأحلام الشباب وطموحاتهم التي يصعب تحقيقها ضمن حدود هذه البقعة الصغيرة على سطح هذا الكوكب.

عالم هش

وفي زاوية أخرى من المعرض، كانت أشرطة الدواء الفارغة هي أساس العمل الفني "هَش" للفنان محمود الحاج، وتتسم تلك الأشرطة بالهشاشة، وتحمل دلالة الألم والقلق الذي أصبح قاسمًا مشتركًا بين سكان العالم في وقتنا الحالي.

ويتحدث الحاج لـ"فلسطين": "يستعرض مشروع هش تأثيرات الإغلاق والعزلة التي يسببها الاحتلال، مضافًا إليها الإجراءات الاحترازية الناجمة عن جائحة كورونا التي فرضت بدورها على العالم أجمع العيش بأسلوب حياة مشابه لأسلوب حياة الفلسطيني الذي يعيش حالة حجر عسكري ممتد منذ عقود".

وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أجرت استطلاعا للرأي للشباب في غزة، للفترة بين 18 يوليو/ تموز و3 أغسطس/ آب 2022 عبر صفحتها باللغة العربية على "فيس بوك" لقياس الآثار المترتبة على حياة الشباب في قطاع غزة بفعل الحصار الإسرائيلي.

واعتبر 88.8٪ من المشاركين في الاستطلاع أن الحياة في غزة غير طبيعية مقارنة بالمجتمعات الأخرى، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى تداعيات جولات العدوان الإسرائيلي المتكررة والإغلاقات والقيود المفروضة على الحركة، واستمرار الانقسام الداخلي.

وأفاد 95.6٪ من المشاركين بأنهم متأثرون سلبيًّا بالأوضاع الإنسانية في غزة، بسبب انخفاض مستوى الدخل وانعدام فرص العمل وعدم الوصول إلى الخدمات الأساسية، ويتمثّل ذلك بالانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وقلة جودة المياه وخدمات الصرف الصحي، وسوء التغذية.

وعدّ 69.9٪ من المستطلعة آراؤهم أن انعدام الاستقلال المالي للشباب وقبولهم بأي فرصة عمل حتى لو كانت لا تناسبهم هو من أهم تداعيات التدهور الاقتصادي.

Z4SIn.jpg
l0NqG.jpg