لم تكن مغادرة قطاع غزة بالنسبة لآلاف الفلسطينيين الذين عبروا الحدود إلى الخارج مجرد نجاة من القصف، بل تحوّلت إلى انتقالٍ قاسٍ من صدمة الحرب إلى صدمة الضياع المعيشي.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من 110 آلاف فلسطيني وصلوا إلى مصر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليجدوا أنفسهم أمام واقع قانوني ومعيشي معقّد، في ظل إقامات مؤقتة، وصعوبة الحصول على تصاريح عمل، وارتفاع تكاليف السكن والخدمات.
وأصبحت النجاة رحلة كفاح يومية مريرة، خصوصًا للنخب الأكاديمية التي فقدت مكانتها العلمية ومنازلها في غزة، لتواجه في الغربة سؤال البقاء وتوفير ثمن الدواء.
وتجسّد تجربة البروفيسور زهير عابد، الأكاديمي الفلسطيني النازح من قطاع غزة، حجم الكارثة الاقتصادية التي لحقت بالنخب الفلسطينية؛ إذ لم تتوقف الخسائر عند تدمير الأصول العقارية، بل امتدت إلى استنزاف حاد للمدخرات وتحديات معيشية وصحية باهظة في دول الاغتراب.

البروفيسور الفلسطيني، د. زهير عابد
وكشف عابد لـ "فلسطين أون لاين" عن خسارة فادحة تمثلت في تدمير منزله بالكامل في غزة، والذي قُدّرت قيمته بنحو 400 ألف دولار أمريكي. ولم تقتصر الأعباء المالية على ذلك، بل اضطر إلى دفع 20 ألف دولار تكاليف تنسيق عبر شركة «هلا» لتأمين خروج أسرته المكوّنة من أربعة أفراد إلى الأراضي المصرية.
وفي محاولة لاستعادة توازنه المالي، أقدم عابد على خطوة استثمارية في سلطنة عُمان، حيث أنفق قرابة 5,000 دولارات لإنشاء سجل تجاري، إضافة إلى 1,200 دولار تكاليف سفر. غير أن المحاولة واجهت تحديات تشغيلية كبيرة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ بلغ إيجار السكن 550 دولارًا شهريًا، ما أدى في النهاية إلى تعثّر المشروع والعودة بخسارة كاملة إلى مصر.
ويواجه عابد حاليًا ضغوطًا اقتصادية متزايدة في مقر إقامته بمدينة الإسكندرية، حيث يُقدَّر متوسط إنفاقه الشهري (إيجارًا ومعيشة) بنحو 350 دولارًا. كما يحتاج إلى دورة علاجية شهرية لمرض ضمور النخاع الشوكي بتكلفة تصل إلى 1,000 دولار، وهو عبء مالي ثقيل استمر ستة أشهر ولا يزال قائمًا.
ولا يختلف حال الفلسطيني الذي غادر القطاع قبل الحرب كثيرًا. ويقول المواطن محمد سكيك إن الغزيين المقيمين خارج وطنهم، وخصوصًا في إسطنبول التركية، يواجهون تدهورًا معيشيًا حادًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، نتيجة الارتفاع غير المسبوق في تكاليف السكن والخدمات والمواد الأساسية مقابل دخول ثابتة أو متراجعة.

المواطن محمد سكيك
وأوضح لـ"فلسطين أون لاين" أن الإيجارات في الأحياء الشعبية ارتفعت من نحو 200 دولار قبل سنوات إلى قرابة 500 دولار حاليًا كحد أدنى، إضافة إلى فواتير شهرية قد تصل إلى 200 دولار، دون احتساب الغذاء والتعليم والمواصلات.
وأشار إلى أن حدّ الجوع في تركيا تجاوز ما يعادل 500–560 دولارًا شهريًا، وهو مبلغ بالكاد يغطي الاحتياجات الغذائية الأساسية، فيما تخطّى حدّ الفقر لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد نحو 1,600 دولار شهريًا، وهو مستوى دخل يفوق قدرة معظم العاملين.
وبيّن سكيك أن الغزي يعيش حالة تنقّل قسري بسبب زيادات الإيجارات المتكررة، ما يفرض عليه تغيير مسكنه بشكل شبه سنوي، مع تحمّل تكاليف نقل مرتفعة قد تصل إلى 800 دولار داخل المدينة الواحدة. كما يُجبر كثير من العمال على العمل دون تصاريح رسمية، ما يعرّضهم للمخالفات أو الترحيل رغم حاجتهم الماسّة إلى العمل.
وفي ملف التعليم، أكد أن تكاليف المدارس الخاصة تضاعفت خلال فترة وجيزة، فيما تبقى الخيارات الأقل كلفة عبئًا ثقيلًا على العائلات محدودة الدخل، خاصة مع ارتفاع تكاليف المواصلات والخدمات الأساسية.
وأضاف أن القيود الإدارية المرتبطة بالإقامة وتثبيت العنوان، إلى جانب صعوبات اللغة والعمل، خلقت حالة من عدم الاستقرار المستمر، حيث يعيش الغزي بين ضغط المعيشة وتعقيدات القوانين، دون منظومة دعم اجتماعي كما كان في قطاع غزة.
وختم سكيك بالتأكيد أن الغزي في الخارج يعيش واقعًا قاسيًا قائمًا على محاولة البقاء يومًا بيوم، داعيًا الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية إلى الالتفات الجاد لمعاناة الجاليات الفلسطينية وتحسين ظروفها المعيشية والقانونية.

