"الحياة كما ينبغي".. رواية بنهاية مفتوحة ودلالات رمزية

...
د. يوسف رزقة

صدر حديثًا عن الدار الأهلية للتوزيع والنشر في عمان رواية "الحياة كما ينبغي" للكاتب الفلسطيني أحمد رفيق عوض.

تقع الرواية في 172 صفحة من القطع المتوسط، وهي تحكي قصة راشد المحمود ابن جنين، الذي يعمل عند التاجر الكبير فتحي أبو عواد سائقا وموزع مواد غذائية على دكاكين بلدة جنين وغيرها.

هذه المهنة حولت راشد إلى مواطن خبير بمكونات بلدة جنين ويعبد وعرابة والطرق الداخلية والخارجية، فبينما هو في عمله استفزه حاجز طُرق إسرائيلي تعمد إذلال السائقين وتعويق سفرهم، وحين انطلقت أبواق السيارات في الاحتجاج نزل راشد من سيارته يصرخ بجنود الحاجز فأصابوه بطلق ناري في ساقه، وألقوا بجانبه سكينة فواكه وزعموا أنه حاول أن يطعن بها جنديا، وصوروه وهو مستلقٍ على الأرض وبجانبه السكين، فحكم بالسجن خمس سنوات على عمل لم يقم به.

في داخل السجن حصل تحول على شخصية راشد، صادق شخصين أحدهما اسمه الشيخ، والآخر اسمه الثعلب، وقد ساعداه في الحصول على بندقية، واتفقا معه على عمل كمين لسيارة إسرائيلية بين عرابة وجنين، على أن يكون الانسحاب إلى جنين.

نفذ راشد العملية بدقة وقتل ضابطًا كبيرًا ولكنه لم ينسحب جهة جنين، وفضل البقاء قرب عرابة، والاختفاء بين الأشجار والأكل منها. 

وبعد فشل العدو في معرفة مكانه، جاءه رجل ستيني "أبو محمد" كان قد استشهد ابنه، ينصحه بترك المكان، ويطمئنه بأنه كابنه "محمد" وسيساعده على الوصول إلى جنين متخفيًا.

في جنين يلتقي راشد بصديقيه (الشيخ والثعلب)، ويعلم منهما أن العدو قد حدد هويته بصفته منفذا للعملية، وهو يبحث عنه، ويعلم باعتقال والديه، وذهاب زوجته للعيش مع أهلها بناء على أمر والده.

في مخبئه يحتفي به المطاردون من أبناء المخيم، فقد قرر أن يقاتل إلى جانبهم دون أن ينتمي لفصيل معين، يؤهله هذا لأن يكون المكلف بجمع رجال المقاومة في شمال الضفة الغربية على عمل موحد دون منافسة فصائلية.

يختم الروائي عوض القصة بنهاية مفتوحة على أمرين: المقاومة، وتوحيد العمل الوطني، ويمكن إضافة نهاية أخرى مفتوحة في الاتجاه الإسرائيلي المقابل للاتجاه الفلسطيني في الرواية، إذ ينهي ضابط الشاباك القادم من العراق حياته منتحرًا بمسدسه الشخصي، بسبب أمراض نفسية تمنع بقاءه في منصبه، وتهم لابنه "زلمان" بالفساد، وخيانة زوجته الإشكنازية له.

رسالة الرواية

قدم الروائي عوض القصة دون تاريخ أو سنة محددة لقصة راشد، لغرض أن يبقى الحدث ممتدا، وهذا يعني استمرار الصراع إلى أن يسقط المحتل صريعا يقتل نفسه بنفسه بعد أن تتخلى دولته عنه. وهو ما يؤشر على موقف مؤلف الرواية الوطني ويقينه أن الصراع سينتهي لمصلحة الفلسطيني، ولكن النجاح يحتاج للمقاومة كما يحتاج للوحدة الوطنية.

الرواية تقول بالإشارة الدالة إن قتال العدو يكون بالوطن لا بالفصيل أو الحزب، وإن الوطن يجمع المقاومة الحزبية، كما يجمع المقاومة الأوسع نطاقًا من الفصائلية، ويجمع جيل الشباب، جيل راشد والشيخ والثعلب، وجيل الشيوخ الذي مثله ابن الستين "أبو محمد".

معانٍ سامية

كان راشد المحمود، وفي اختيار الروائي هذه التسمية لبطل القصة ما يوحي بمعان سامية على مستوى المؤلف والوطن، يمكن التنبيه لبعضها، وهو أن الرشاد والحمد في المقاومة الوطنية الصادقة، والحقيقية، وأن المفاوضات لم تكن راشدة، وليست محمودة وطنيا، وأن راشدا يستحق أن يقود المرحلة التالية للمقاومة، التي تجمع الآخرين وتحثهم وترشدهم، وهو المعطى الكبير من النهاية المفتوحة التي جاءت بتعمد وقصد على هذا النحو. 

لقد كان راشدا محمودا لأنه قدم فعلًا وطنيًا راشدًا ومحمودًا، وتصرف بعد عملية قتله الضابط برشد، فلم يرتكب خطأ قاتلا يدل عليه المحتل كما وقع من آخرين. وكأن الرواية تقدم رسالة أمن وكتمان وحماية للمقاومين، تحذرهم من الأخطاء القاتلة، ولا سيما تلك التي تتعلق بالجوالات ووسائل الاتصال الحديثة، كما تحذرهم من ألاعيب الشاباك وزرع الفرقة والشقاق بين عوائل جنين للوصول إلى أهدافه الخبيثة.

دلالة رمزية

الرواية حافلة بالإشارات الرمزية ذات الدلالة البعيدة والمغزى، فبالإضافة إلى رمزية راشد المقاومة، بطل الرواية، إن صحت البطولة فيها، كان أبو محمد رمزًا لتتابع الأجيال في العمل الوطني من أجل فلسطين، هذا التتابع المتجدد هو إعلان عن نصر قادم للفلسطينيين، وأنهم سيصلون لأهدافهم الوطنية. ويمكن أن يقال عن الشيخ إنه يرمز لفصائل المقاومة الإسلامية المتسامحة، وأن الثعلب يرمز لفصائل المقاومة الوطنية المرنة، وأن ثلاثتهم يمكنهم أن يتجمعوا تحت عباءة الوطن التي ترشح لها راشد جامعا وموحدا.

كما قدمت الرواية صورة لمجتمع إسرائيلي مفسخ من خلال أسرة أبو السعيد بخيانته لزوجته الإشكنازية، وفي ذلك إشارة لتعالي يهود الإشكناز الغربيين على الطبقات الأخرى وخاصة تلك القادمة من بلاد عربية مقابل صورة متماسكة للمجتمع الفلسطيني.

روائي ملتصق بالأرض

إن من أعجب ما يعجبني ويثير اهتمامي في هذه الرواية وفي روايات أحمد عوض الأخرى التصاق أحمد بأرض جنين وطينها وصناعة لغة تفاهم عالية المستوى بينه وبين أشجارها.

لذا لم استغرب أن يعنون لكل فصل في الرواية بشجرة من أشجار جنين، التي تحكي قصة وتاريخ وطن، وحب وطن وعشقه مثل شجرة الزعرور التي وفرت لراشد مخبأ من العدو، وشجرة البلوط، والقيقب، والصبار، وشجرة الزنزلخت التي فيها الداء والدواء كما يقول الكاتب، وغيرها من الأشجار المثمرة كالرمان، والنخيل والعنب، والأسكدنيا، ولست أدري لماذا ختمها بشجرة التبغ، ولا أجد نفسي متوافقا معه بهذه الختمة، حتى وإن ربطها بحديثه عن العالم المتصوف عبد الغني النابلسي. كنت أود أن تكون الختمة بشجرة النخيل لدلالتها الرمزية الغنية.

كانت هذه مقاربة عاجلة بُعيد قراءة الرواية للمرة الأولى قراءة سريعة، وهي تستحق قراءة ثانية متأنية تنظر في اللغة كما تنظر في الحدث والأشخاص، وتنظر في الرمز البعيد، كما تنظر في المعنى القريب، وأرجو أن نتمكن من ذلك لاحقا، أو يقوم به شاب يملك صحة ووقتا، والحمد لله رب العالمين.

المصدر / فلسطين أون لاين