"الجمل": هذه الخطوة جريمة خطيرة بحق شعبنا المحاصر واستهتار بالأرواح

تقرير انسحاب عشرات الأطباء من عملهم يهدد حياة المرضى.. وأسبابه مجهولة

...
صورة أرشيفية
غزة/ محمد المنيراوي-محمد أبو شحمة:

أكد أطباء ومسؤولون أن انسحاب الأطباء والإداريين من مستشفيات الخدمات الطبية والعيادات العسكرية مساء أول من أمس جاء بقرار من قياداتهم في رام الله "لأسباب غير معروفة، وبشكل مفاجئ".

وقال الأطباء والمسؤولون في أحاديث منفصلة لصحيفة "فلسطين": إن الأطباء المنسحبين غالبتيهم رؤساء أقسام ولديهم خبرة طويلة في العمل الصحي والإداري، ولم يتعرضوا لأي مضايقات إدارية أو ضغوطات عليهم في غزة.

بدوره، أفاد مدير مستشفى كمال عدوان د. أحمد الكحلوت بأن عشرات الأطباء الذين انسحبوا من عملهم في المستشفى غالبيتهم لديهم خبرات في العمل الصحي تتجاوز الـ20 عامًا، مؤكدا "علاقاتنا مع الأطباء الذين يتقاضون رواتبهم من رام الله ممتازة، ولا يوجد أي خلافات إدارية بيننا، لكن قرار انسحابهم كان مفاجئًا ولم يكن بسبب مضايقات إدارية أو تعيين مدير جديد عليهم كما يتم الترويج له".

وقال الكحلوت لـ"فلسطين": "تواصلت مع قيادات هؤلاء الأطباء في غزة، وكان ردهم أنهم غير راضين عن القرار الصادر، وأنه جاء من قيادات الخدمات الطبية العسكرية في رام الله لجميع أطباء الخدمات والمستشفيات العسكرية".

وبين أن إدارة المستشفى كانت تجري مشاورات بشأن القرارات الإدارية التي يتم اتخاذها داخل المستشفى مع أطباء رام الله كونهم رؤساء أقسام، منبها إلى أن انسحاب هؤلاء الأطباء يؤثر بشكل سلبي على عمل المستشفى، إذ إن من بين المنسحبين مدير قسم التخدير ونائبه، وكبير أطباء الجراحة، ومدير قسم الأطفال، وهم من مفاصل العمل داخل المستشفى.

وأشار إلى أن الأطباء بشكل عام يقدمون الخدمة الطبية للمرضى في كل الظروف، دون تمييز بين أحد بسبب وضعه السياسي أو ديانته أو جنسه، وهو ما أقسم عليه الأطباء قبل بدء عملهم، وأن غياب طبيب واحد من المستشفى يحدث إرباكا في العمل، وغياب 20 كادرا من تخصصات حساسة سيشكل خطورة على حياة المرضى.

مردود سلبي

من جانبه، أوضح طبيب الخدمات الطبية العسكرية، واستشاري المسالك البولية سهيل مطر أن القرار يشمل 40 طبيبا يعملون في المستشفيات والعيادات الطبية العسكرية، وليس أطباء مستشفى كمال عدوان وحدهم.

وأوضح مطر لـ"فلسطين" أن ما يتم ترويجه من أن انسحاب أطباء الخدمات العسكرية بسبب مضايقات إدارية غير صحيح، بل جاء القرار لهم بشكل مفاجئ، مضيفا أن قرار سحبهم؛ وغالبيتهم رؤساء أقسام، يمس المجتمع والمرضى بشكل خاص، كونهم ذوي كفاءة عالية وخبرة طويلة.

وتابع أن قرار سحب الأطباء سيكون له مردود سلبي على المرضى والأطباء المنسحبين أنفسهم، كونه سيعدمهم مهنيا، موضحا أن مهنة الطب تحتاج إلى ممارسات عملية وتجديد للمعلومات ومواكبة الأوراق العلمية.

وكتب الطبيب مطر عبر حسابه الشخصي على "فيسبوك" أنه كان أحد الأطباء الذين تم الاتصال بهم لترك المرضى والمستشفى والجلوس في البيت، وقال: "ما يحدث عيب، ويجب إيقاف القرار"، موضحا أنه منذ أربع سنوات كانت مؤسسة الخدمات الطبية العسكرية زاخرة بأطباء مميزين حاملي أعلى الدرجات العلمية، وبقرار مجحف تم إصدار قرار غير مدروس وبعيد عن الحس الوطني بتقاعد أكثر من مئة طبيب عن عملهم وهم في أوج عطائهم المهني والإنساني.

وأضاف تفاجأنا، أول من أمس، بإصدار قرار جديد من إدارة الخدمات الطبية بإلزام من تبقى من الأطباء الذين يتقاضون مخصصاتهم على مرتبات "المحافظات الشمالية" بترك المستشفيات والعيادات التابعة لخدمات غزة، 42 طبيبا ممارسا ذوو خبرة وبدون سابق إنذار يجلسون في البيوت "وأستطيع أن أجزم أنه لا توجد أي مشكلة مع أي منهم هنا، حيث إنهم يمارسون مهنتهم بكل سلاسة دون تقييد من أحد أو ضغط أو اضطهاد".

وتساءل مطر: "لمصلحة من هذا القرار، وما الدوافع والأسباب، وهل من اتخذ القرار يعرف أبعاده السلبية على مجتمعنا، وهل هذه وسيلة ضغط أخرى (غير مبررة) على غزة، ما الضرر النفسي والمهني والاجتماعي الذي سيلحق بطبيب يُجبر على عدم ممارسة مهنته وهو في عز عطائه، رأس مال أي طبيب ممارسة عمله، وهكذا تصرف غير مدروس سيعدمهم مهنيا، إلى أين نحن سائرون؟".

وطالب بتجنيب القطاع الصحي الخدماتي المناكفات السياسية التي لا طائل منها "فنحن بحاجة لجهد كل طبيب وخبراته في هذا الوطن، الخاسر الوحيد هو المواطن العادي أو الطبيب الممارس لمهنته. كان الله في عون شعبنا في غزة".

جريمة خطيرة

بدوره، أكد طبيب مسؤول في الخدمات العسكرية التابعة لرام الله، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن القرار جاء من القيادات الطبية العسكرية في الضفة الغربية ولا علاقة لقيادات العمل في غزة به، مردفا "نحن غير راضين عن القرار كونه يهدد حياة المرضى، لكن هو قرار إداري من رام الله".

وكان رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة سلامة معروف أكد انسحاب 42 طبيبا من تخصصات مختلفة ممن يتقاضون رواتبهم من السلطة في رام الله. وقال معروف في تصريح لـ"فلسطين" أمس: إن انسحاب الأطباء جاء "بناءً على تعليمات وردت لهم ودون إبداء أسباب".

واعتبر رئيس لجنة التربية والقضايا الاجتماعية بالمجلس التشريعي النائب د. عبد الرحمن الجمل أي تعليمات أدت إلى انسحاب الأطباء "خطوة خطيرة وجريمة جديدة بحق شعبنا المحاصر في قطاع غزة واستهتارا بأرواح المرضى"، مشيرا إلى أن لجنته تتابع انسحاب الأطباء للوقوف على أسباب ذلك وتداعياته.

وأكد الجمل في تصريح صحفي أمس أن المطلوب العدول الفوري عن قرار الانسحاب من المستشفى تأدية للواجب الإنساني وحفاظا على شرف المهنة، وأن أساليب الضغط والابتزاز التي تمس حياة المواطنين مدانة ومرفوضة إنسانيا ووطنيا وأخلاقيا.

من جهته، عدّ وزير الصحة الأسبق د. باسم نعيم الطلب من الطواقم الصحية مغادرة مواقع عملهم في المستشفيات "جريمة وطنية جديدة تضاف إلى جرائم سلطة (بيت إيل) وتعكس القاع السحيق الذي وصلت له عصابة المقاطعة التي لم يرق لها ولمشغلها حالة الاستقرار النسبي في غزة، وقدرتها على التعالي على جراحها وتوجيه بوصلتها وبوصلة الكل الوطني نحو القضايا الكبرى؛ القدس والأسرى واللاجئين، وترك سفاسف الأمور لأهلها".

وقال نعيم في تصريح صحفي: "كنت مسؤولا عن معالجة أزمة الإضرابات وقرارات العار في ٢٠٠٨، أصابتنا، بل أصابت كل مواطن، وقبل ذلك أصابت قيمنا الإنسانية كطواقم صحية بجروح غائرة، لكن إرادة الحياة والصمود انتصرت على المخططات الشيطانية التي لم تهدف إلا لتركيع غزة ومقاومتها، وخرجنا منها أقوى، وكما يقال: الضربة التي لا تميتني تقويي".

ودعا زملاءه العاملين في القطاع الصحي ممن يتلقون رواتبهم من رام الله إلى "ألا تبيعوا ضمائركم وقيمكم السامية لحفنة من الانتهازيين، وما تعرفونه عنهم أكثر بكثير مما أعرف، والأرزاق بيد الله، والوطن أكبر وأغلى من الجميع، وشعبكم الصابر المرابط لا يستحق إلا كل خير واحتضان ولمسة حنان ورحمة.. لا تبيعوا آخرتكم بدنيا غيركم".