تقرير عند "النبعة" تحرق "انتظار" سنابل القمح لتنتج الفريكة المدخنة

...
نابلس-غزة/ مريم الشوبكي:

مع انتهاء موسم حصاد القمح تعمل انتظار بدوي برفقة إخوتها وأخواتها وأبنائهم على جمع كميات كبيرة من "النتش"، وهي نباتات جافة التقطوها من أرضهم يشعلون النار بها لحرق سنابل القمح من أجل إنتاج "الفريكة".

تمتد أرض بدوي على عدة دونمات في قرية قريوت إلى الجنوب الشرقي من نابلس، وفي كل عام تشعل النار في نحو طن ونصف الطن من سنابل القمح لتأخذ رائحة الشواء والدخان المنبعث منه.

تبدأ العملية بفرش سنابل القمح في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس لنحو ساعتين، ومن ثم يشعل النتش وتوضع فوقه سنابل القمح، وهي عملية تحتاج إلى مجهود كبير من التقليب لنحو ساعة حتى لا تحترق السنابل ولتتوزع عملية الشواء على الحبيبات كافة بشكل متساوٍ.

وتستخدم في عملية تقليب السنابل أدوات زراعية بسيطة بدائية كـ"الشاعوب" (أداة تمتلك مقبضا طويلا وشوكات طويلة ورقيقة ومدببة ومتباعدة).

بعد ذلك يعمل أفراد العائلة كخلية نحل، حيث يجمعون سنابل القمح كل سنبلة على حدة، ويستمرون بالعمل على ذلك النحو لمدة عشرة أيام.

وتعد الفريكة مصدر رزق موسمي للأهالي، فتنخرط عائلات بأكملها في عملية الإنتاج التي تمثل فرصة عمل جيّدة للعديد من الأهالي وشباب القرى.

وتمر صناعة الفريكة بالطريقة التقليدية التراثية بعدة مراحل، كما تخبر السيدة البالغة خمسة وخمسين عامًا، "فما نقوم به الطريقة التي كان أجدادي ووالدي يصنعون بها الفريكة المدخنة الناتجة عن إشعال النار فيها".

وتتابع انتظار: "بعد حرقها ندرس حبات الفريكة في درّاس كهربائي، ومن ثم تغربل من الحبات الفارغة، بعدها تأتي مرحلة الجرش لنوعين ناعم، وخشن، ومن ثم تنخل وتترك لتجف في الشمس لثلاثة أيام حتى لا يصيبها العفن".

وتبعًا للمزارعة الفلسطينية، تختلف المدن الفلسطينية في توقيت جمع محصول القمح وإنتاج الفريكة، فمنهم من يبدأ مع نهاية شهر إبريل، وآخرون كما في قريتها ينتظرون حتى نهاية مايو، "المهم قبل أن تجف السنابل مع دخول فصل الصيف، حيث لا يمكن صنع الفريكة إلا بحبوب القمح الخضراء".

وتعد "الفريكة" واحدة من الأكلات الفلسطينية الشعبية، وإنتاجها مهنة تراثية تقليدية.

وشوربة الفريكة من أهم الأطباق اليومية على المائدة الفلسطينية، خاصة في شهر رمضان، وتقدم في بعض المطاعم وجبة رئيسة مع اللحم الأحمر أو الأبيض مثل الأرز.

ويؤكل المنتج أيضا طريا قبل التجفيف دون طهي، ويباع في المحال وعلى العربات.

لا تزال عائلة بدوي تحافظ على صناعة الفريكة بالطريقة التقليدية، للحافظ على التراث الفلسطيني من الاندثار لمواجهة المحاولات الإسرائيلية لتزييفه، ولا يبرحون أراضيهم التي أحاطتها المستوطنات الإسرائيلية، ويزرعونها بكل أنواع الحبوب، والخضار، والفواكه، والزيتون، ويصنعون المونة السنوية، ويكتفون ذاتيًا.

وتبين انتظار أنها تقوم بكل الصناعات الفلسطينية التقليدية، من صناعة الفريكة المدخنة، وزيت الزيتون، ومعجون الطماطم على نار الحطب، ومربى الفواكه، والقطين (التين المجفف)، واللوز، والزعتر، والميرمية، والعدس بنوعيه، والقمح على الطاحونة.

ورغم أن الفريكة الجاهزة تغزو الأسواق الفلسطينية فإن الفريكة التي تصنعها انتظار تلقى رواجًا منقطع النظير، حيث يتلقفها أهل القرية، والمناطق المجاورة، بمجرد أن تنتهي من تصنيع أطنان من الفريكة.

وتشير انتظار إلى أن المغتربين يقبلون على شراء الفريكة التي تصنع في معظم المدن الفلسطينية الزراعية بالطريقة التقليدية بشكل لافت، لأنهم يحنّون إلى كل ما هو تراثي يذكرهم بوطنهم، وكما أن جودتها أعلى، ولا تسبب أمراضا؛ لأنها لم ترش بالأسمدة الكيماوية، وبلا صبغات.

وتلفت إلى أن أكثر من يقبل على شراء الفريكة هم مرضى السكري لأنها قليلة السعرات الحرارية وتعد بديلًا مثاليًا عن الأرز.

ويعتمد أهالي قريوت على الفريكة في كثير من أكلاتهم، تذكر انتظار أنهم يصنعون الأوزي بالفريكة الخشنة بدلًا من الأرز، وفي حشوة الدجاج، ويطهونه كالأرز، وشوربة الفريكة الناعمة هي الغذاء الرسمي للنفساء لمدة 10 أيام بعد الولادة لغناها بالعناصر الغذائية المغذية.