مسيرة وهزيمة وجراح تنزف

مسيرة الأعلام الصهيونية السنوية في القدس في ذكرى هزيمة العرب، واستيلاء إسرائيل على القدس، ومن ثمة توحيدها، تنكأ الجروح الفلسطينية التي ما زالت تنزف منذ يونيو ١٩٦٧م وحتى تاريخه، وتهدد بحرب في غزة؟!

أعلم أن جيش الاحتلال قد انتصر على الجيوش العربية في ذلك التاريخ المشؤوم، وأن الجيوش العربية انتكست، أو قل انهزمت هزيمة ساحقة في غضون ساعات، أو أيام معدودات، ويومها كنت في ربيع العمر، فانهزمت فينا آملنا التي علقناها على عبد الناصر، بطل القومية العربية، وعلى جيش مصر الذي كنا نحصي معداته العسكرية المختلفة فنجدها تتفوق في العدد على ما عند دولة الاحتلال، وكنا بعد كل إحصاء نتجادل في موضوع النصر وهزيمة المحتل، ولكن تبخر هذا في ساعات في يوم ٦ يونيو ١٩٦٧م، وثبت لنا مع تقدم العمر أننا كنا نسير في الطريق الخطأ، ونحصي بعواطفنا الأعداد على مستوى الأفراد والمعدات، وأن النصر لا يرتبط بها ارتباطا حتميا، بل يرتبط بعقيدة القتال، وإرادة القتال، وصدق النوايا، وتلكم صفات وقيم كانت غائبة تماما عن هذه الأعداد وتلكم المعدات، لأن بطل القومية كان يناور ولا يحارب، كان يغزو العدو في وسائل الإعلام، ولا يجهز الجيش للقتال، وكانت قيادات دولة الاحتلال تعي جيدا المعادلة الجارية، وتقف تماما على ما في ذهن عبد الناصر وغيره من القادة، فقد كانوا لها كتابا مفتوحا، ولن تعانيه أدنى مفاجأة، وكانت واثقة بالنصر، بل وبتداعيات الهزيمة على بطل القومية العربية، وأن الهزيمة ستخضع المهزومين للتسليم بالأمر الواقع، والمفاوضات، والاعتراف والتطبيع، وهذه أهداف تمخضت عنها الهزيمة، وألقت بعيوبها ومشاكلها في الأحضان الفلسطينية.

ومن هذه التمخضات الجارحة للكرامة الفلسطينية والعربية مسيرة الأعلام الصهيونية التي تجري في القدس، وتخترق باب العامود، وتفرض على المقدسيين وغيرهم مشاهدة رقصات المتطرفين بالأعلام بذكرى يوم النصر واحتلال القدس وضمها؟!

الفلسطيني وحده تقريبا هو من ورث تداعيات الهزيمة العربية في عام ١٩٦٧م بشكل كامل، ولا سيما بعد تطبيع دول المواجهة علاقتها مع الدولة المنتصرة، والتي تحتل القدس وبقية الأراضي الفلسطينية، وبما أن أبطال الهزيمة ذهبوا، وأخرجوا جيوشهم من معركة استرداد الكرامة قبل الأرض، فلم يبقَ في معركتي الكرامة والأرض غير الفلسطيني الحرّ الذي يحمل البندقية ويقاوم، وهؤلاء هم من يتصدون اليوم مع المقدسيين لمسيرة الأعلام المثيرة لمشاعر الأحرار، في حال قد تنفجر في شكل حرب واسعة النطاق، كما حدث في العالم الماضي فيما عرف بمعركة (سيف القدس).

الفلسطينيون الأحرار لا يسعون لهذه الحرب، ولكن مسيرة نكء الجراح، قد تفجر الميدان، ولو كان في قادة العرب فطنة وهم لهم خطوط ساخنة مع حكومة العدو لقالوا لهم لا تستفزوا الفلسطينيين، ولا تنكؤوا جراحهم، ويمكنكم تنفيذ مسيرة الأعلام في تل أبيب وحيفا، ولا مبرر لها في القدس الجريحة؟! ولكن قادة العرب بمعزل عن هذه المفاهيم، وعن الميدان في القدس!