اغتيال شيرين...  تداعيات الجريمة على الجاني

حدث جلل، وجريمة نكراء، وواقعة خطيرة، تلك هي حادثة اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة 51 عاما من بيت حنينا في القدس المحتلة، تلك الصحفية التي حملت مسؤولياتها باقتدار في تقفي أحداث الانتفاضات الفلسطينية وجرائم الاقتحامات والقتل المتعمد والاعتقال التعسفي الذي مارسه ويمارسه جيش الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ولم يسلم منه الفلسطينيون في الداخل المحتل. 

صباح يوم الأربعاء 11 أيار (مايو) للعام الجاري أزهقت رصاصة يؤكد الكثيرون من المراقبون أنها لجندي كان يتمترس في مكان ما اقتحم مع قوة من جيش الاحتلال بلدة قرب مخيم جنين لتنفيذ عملية عسكرية ضد عناصر ومواطنون يتبعون للمقاومة، جريمة أحدثت صخبا كبيرا وأشعلت غضبا واسعا في مختلف مناطق العالم وعلى عديد المستويات، وجلبت تنديدا وشجبا واستنكار بالغ من المسؤولين الرسميين من دول مختلفة عربا ومسلمين وأوروبيين وغيرهم، الأمر الذي دفع المؤسسة السياسية والعسكرية الصهيونية  التنصل من الجريمة والصاقها في البداية بالفلسطينيين، ونقل عن تغريدة للناطق باسم جيش الاحتلال بالعربية قوله إن مسلحين فلسطينيين أطلقوا الرصاص العشوائي وأردوا الصحفية بقناة الجزيرة شرين أبو عاقلة قتيلة.

لم تصمد هذه الرواية طويلا أمام حقائق الواقع فقد كذب شهود العيان والتشريح الطبي الأولي الفلسطيني ذلك وأثبت الشهود أنه لم يكن أي وجود لمسلحين فلسطينيين في مكان استشهاد الصحفية أبو عاقلة، ونقل عن الطب الشرعي بمستشفى العادلي بنابلس أن الرصاصة التي اخترقت رأس شيرين وأودت بحياتها من النوع المتفجر وهو ما لا يملكه أي مسلح فلسطيني ومن المعروف أن مثل هذا النوع من الرصاص هو بحوزة الجيش الإسرائيلي وفرقه المختلفة ومن بينها قوة وحدة المستعربين المعروفة باسم الدوفدوفان وهي الجهة التي يتركز الشكوك حول وقوفها خلف عملية الاغتيال.

 وخلال يوم الجريمة صرح رئيس هيئة الأركان في جيش الاحتلال  أفيف كوخافي بأنه لا يزال من غير الواضح من أطلق النار عليها، وطالب بتشكيل لجنة تحقيق للوقوف على ملابسات الأمر، وبعيدا عن الرواية الصهيونية  التي تحمل الكثير من الشكوك والتهرب من تحمل المسؤولية ومحاولة تبرئة ساحتها من دم الصحفية الفلسطينية الراحلة إلا أنها تلقي ظلالا ثقيلة على الصورة العامة للكيان (الإسرائيلي) بعد أن حاولت النجاة من تهشيم صورتها الديمقراطية عقب عدوانها على غزة والقدس والشيخ جراح العام الماضي الذي يعيش الفلسطينيون أحداثها هذه الأيام، ومن المؤكد أن جريمة قتل وإعدام شيرين أبو عاقلة لن تمر مرور الكرام على موقع ووضع إسرائيل الدولي سياسيا وإعلاميا وقانونيا، ولو أردنا أن نسلط الضوء جيدا على حقيقة الأمر سنجد أن الاحتلال وقع في شرك جريمته إذ خسر الصورة الإعلامية من لحظة انتشار خبر مقتل الصحفية المتميزة شيرين، وحقق وسم #شيرين_أبوعاقلة ترندا عربيا وإقليميا بين مغردي مواقع التواصل سواء أكان ذلك على الفيس بوك أو تويتر وشارك مغردون على وسم باللغة الإنجليزية ندد بالجريمة الصهيونية و طالب المغردون على الهشتاغين بضرورة محاسبة الفعالين ومحاكمتهم، ولم تكف وسائل الإعلام لتغطية الحدث الذي أحدث صدمة لدى الكثيرين من الفلسطينيين والعرب الرأي العام الدولي. 

هذا جانب من تداعيات الصورة الإعلامية على الجاني الصهيوني المتسبب فعليا بالجريمة، أما على صعيد الجانب السياسي، فقد وجهت رسائل استنكار من دول شتى للجريمة والمتسبب بها ونددت قطر بأشد العبارات اغتيال الصحفية المتميزة شيرين أبو عاقلة، ووصف بيان وزارة الخارجية القطرية الجريمة بالأشعة والانتهاء الصارخ للقانون الدولي. 

كما أدان البيت الأبيض الجريمة ودعت نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض كارين جان بيير، إلى إجراء تحقيق شامل في وفاتها"، بدوره طالب رئيس الوزراء البريطاني بحماية الصحفيين في العالم وعبر عن أسفه لمقتل شيرين أبو عاقلة.

ولم تتوقف بيانات الشجب والاستنكار والإدانة الموجهة للحكومة الإسرائيلية من دول ومؤسسات حقيقية دولية، ووصف الجريمة بالصادمة وأخرى بالصارخة، هذه الصورة من شأنها إحداث ارتدادات سلبية على صورة إسرائيل أمام الرأي العام الدولي المتعاطف، والمنحاز كثيرا مع الرواية الإسرائيلية، ولنا أن ننظر إلى مدى إحراج حكومة بينيت لحلفاء إسرائيل جراء هذا الفعل الشنيع.

أما التداعيات القانونية على الاحتلال الإسرائيلي نتيجة قتل العمد لأبو عاقلة هو ذهاب السلطة الفلسطينية بتقديم شكوى في مجلس الأمن الدولي وطلب لجنة تحقيق دولية في محكمة لاهاي الجنايات الدولية باعتبارها جريمة حرب، إلى جانب قيام العائلة بنفسها برفع دعاوى قضائية ضد الجيش الإسرائيلي في المحافل الدولية أو قيام شبكة الجزيرة القطرية برفع دعوى ضد حكومة الاحتلال، فضلا عن قيام مؤسسات حقيقية فلسطينية وعربية أو دولية بتقديم شكوى ضد الاحتلال الإسرائيلي، كل ذلك من شأنه أي يحدث إرباكا واضحا داخل أروقة حكومة بينيت، لقد جنت براقش على نفسها، و بهذه الجريمة كشفت زيف الرواية الإسرائيلية عن وجهها الحقيقي أنها ليست ضحية بل إسرائيل هي الجلاد و التي تتسبب بالألم و الموت دون سبب للفلسطينيين. 

ولكي تتحقق العدالة لشيرين أبو عاقلة يجب أن يتحمل الرأي العام الدولي الصحافة العالمية ومؤسساتها والمجتمع الدولي ومؤسسته والجامعة العربية والدول الأعضاء عليهم أن يقفوا في وجه آلة الجريمة الإسرائيلية ويوقفوا هذا العبث بالدم العربي الفلسطيني.