فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ (الأنفال: 65)
بناء الإنسان… من غزة الإلهام إلى رمضان

في الأزمنة العادية تُشيَّد المدن بالحجر، أمّا في الأزمنة العظيمة فتُشيَّد بالأرواح. وغزة — وهي تخوض امتحانها المفتوح بين الركام والصبر — لا تحتاج إلى ترميم الجدران بقدر ما تحتاج إلى ترميم الإنسان؛ فالمعركة في جوهرها ليست صراعًا على الأرض وحدها، بل اختبارًا للوعي والإرادة والثبات.

وقد لخّص القرآن وظيفة الرسالات في كلمة جامعة: الإصلاح، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: 88). فالإصلاح ليس شعارًا عابرًا، بل مشروع بناء شامل يبدأ من الداخل قبل أن يمتد إلى الخارج؛ إذ لم يكن الرسل خطباء مرحلة، بل مهندسي إنسانٍ جديد.

غير أن الإصلاح العام لا يقوم إلا على صلاحٍ ذاتيٍّ راسخ، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه: 39). إنها تربية إلهية، وصناعة دقيقة، وإعداد طويل في الخفاء قبل الظهور في الميدان. فبناء الإنسان يسبق بناء الموقف، وتزكية النفس تسبق تزكية الواقع.

وهنا يجيء رمضان لا كموسم عبادة عابر، بل كمدرسة إعداد؛ تُهذَّب فيه الشهوات، وتُروَّض الإرادات، وتُعاد صياغة الأولويات، فيُعاد تشكيل الإنسان صبرًا ووعيًا ورباطًا وتقوى. ولذلك كان رمضان أقرب ما يكون إلى غزة؛ فكلاهما مدرسة صبر، وميدان تربية، واختبار صدق.

ليست رسالة الإسلام طقوسًا معزولة تؤدَّى في زوايا الزمن، بل مشروعًا كليًا لبناء الإنسان؛ لذلك كانت الكلمة الأولى في الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، إعلان انطلاقٍ بأن العلم — حين يُضبط بالهدي والمنهاج — هو الأساس الذي تُشاد عليه شخصية محرَّرة العقل، يقظة الوعي، عميقة الصلة بالمصدر؛ ومن هنا تبدأ صناعة الإنسان فهمًا وبصيرة وصلاحًا ذاتيًا راسخًا.

ثم يجيء النداء الحاسم: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر: 2)، انتقالًا من تزكية الداخل إلى إصلاح الخارج؛ فالدعوة لا تكتفي بإنسان صالح في ذاته، بل تريد مُصلِحًا في أمته، يتحرك ويبلّغ ويغيّر.

ولأن الطريق شاقٌّ ومفعم بالتكاليف، جاء التأسيس الثالث: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا… إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 2–5). فقيام الليل ليس نافلة عاطفة، بل معمل إرادة، وإعدادًا نفسيًا وروحيًا لتحمّل أعباء التغيير وضريبة الثبات؛ إذ لا تبقى الرسالة حيّة في واقع مضطرب إلا بإرادة مصقولة.

وهنا يتجلّى سر رمضان؛ شهر الصبر، ومدرسة الثبات، ومضمار العزيمة؛ إعادة تشكيلٍ لإرادة أمة وصفها القرآن بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، أمةً شاهدة على الناس، متوازنة في وعيها، راسخة في قيمها، قادرة على حمل مشروع عالمي.

وفي قلب هذا المشهد تقف غزة الإلهام، لا كجغرافيا مثخنة بالجراح، بل كأرض صبر تتشكّل تحت عين العناية: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه: 39)، سنّة إعداد في أتون الابتلاء، وتهيئة عبر الملاحم لدورٍ يتجاوز حدود المكان؛ فالأرض التي تُختبر طويلًا تُؤهَّل لمرحلة أكبر.

غزة التي تُقدّم للعالم صور الإلهام المبهرة، وتُحيي في الذاكرة سيرة النبي وصحبه الكرام؛ هناك حيث يرى العالم الشهداء من حفظة كتاب الله تعالى يرتقون كما ارتقى شهداء أحد ويوم الرجيع، ويرى الحفاة الذين يقاتلون كما قاتل رجال بدر وذات الرقاع، ويرى القادة الذين يتقدّمون الصفوف فيرتقون شهداء على خطى زيد وجعفر وعبدالله في مؤتة.

وهناك تُطلّ الخنساء من جديد، تقدّم أبناءها شهداء ولا تنطق إلا بعبارات الحمد، ويُرى البراء بن عازب في اليمامة يلقي بنفسه في قلب العدو، واليوم يُلقي نفسه في قلب دبابة، ويُرى حسان بن ثابت وقد عاد بلسانه وقلمه يذود ويحرض ويُشعل جذوة القتال.

هكذا تُعيد غزة رسم المشهد؛ فتغدو مرآةً للتاريخ، وميدانًا يتجدد فيه العطاء، حيث تتلاقى البطولة القديمة مع البطولة المعاصرة، فيتواصل السرد الملحمي الذي لا ينقطع، ويظل الإلهام حيًّا يفيض من دماء الشهداء وأقلام المحرضين وصبر الأمهات.

وحين وعى الفاروق معنى البناء الحقيقي، لم يتمنَّ ذهبًا ولا سلاحًا، بل رجالًا كأبي عبيدة؛ لأنه أدرك أن الإنسان هو عماد المراحل، وأن الأمة إذا امتلكت الإنسان الصالح امتلكت مفاتيح النهوض.

وغزة اليوم لا ينقصها الألم، بل تحتاج إلى من يصوغ الألم وعيًا، والوعي مشروعًا، والمشروع عملًا متقنًا؛ تحتاج إلى رجال ونساء صُنِعوا على عين القيم، وتربّوا في مدرسة التقوى، وأيقنوا أن الإصلاح يبدأ من النفس قبل أن يُطالَب به العالم.

إنها معادلة جليّة: غزة ورمضان يبني الإنسان، والإنسان يبني الأوطان، والأوطان — حين تُبنى برجال ربانيين — لا تهزمها عواصف التاريخ. فليكن رمضاننا مشروع صناعة جديدة؛ صناعة إنسان إذا امتلأ به المكان تغيّر المكان، وتبدّل معه وجه الزمان.

النموذج الغزّي ليس حالة طارئة أفرزتها حرب، بل ثمرة مسار طويل مرجعيته الوحي والكتاب والسيرة؛ هناك حيث تتنزّل الآية معيارًا للحركة، وتتخذ السيرة خريطة في زمن العواصف، يتشكّل إنسان بلغ أعلى درجات الإيمان ونضجًا — خصوصًا سياسيًا — يقرأ المشهد بوعي مركّب، ويضبط بوصلته على حقيقة واحدة: المحتل وحده هو العدو.

ومن هذا الصفاء تتولّد معادلة التفوق النوعي: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 65)، كيفٌ صابر يغلب كمًّا مضطربًا.

هو جيل قرآني مقاتل، تهيّأ عقائديًا على قاعدة فاصلة: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154)، فلا اضطراب في التقدير ولا تنازع في المرجع. وتربّى روحيًا حتى صار رهبان الليل حفظة القرآن؛ يشتدّ عودهم في الخلوات كما في الميادين. ونضج فكريًا بإدراك جوهر الصراع وقيمة الأرض التي اصطفاهم الله عليها، فلا تختلط عليه العناوين ولا تتشوّش البوصلة.

وتحصّن نفسيًا وتعبويًا وإعلاميًا مستجيبًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (الأنفال: 65)، فلا يعرف راية استسلام. واستكمل عُدّته امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، إعداد وعي وسلاح وانضباط. ونهض ماليًا واقتصاديًا بحشد الدعم من جيوب الأفراد، وتماسك اجتماعيًا بالتكاتف ورعاية المجتمع، حتى غدا الصف جسدًا واحدًا.

إنه جيل اجتمعت له مناقب الطريق كلها: شرف البيعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفتح: 10)، وشرف التجارة مع الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (التوبة: 111)، وشرف الاصطفاء للشهادة: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140)، وشرف التمحيص: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (آل عمران: 141)، وشرف الرضا والتسليم: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154)، وشرف الوعد بدخول المسجد: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الإسراء: 7).

هكذا تتراصّ الأوسمة في صدر جيل صاغه الوحي؛ فصار العهد عنده عقيدة، والابتلاء تربية، والوعد يقينًا، والقدر تسليمًا. يمضي ثابت الخطى لأن قلبه معلّق بربه، ولسانه يلهج بالثبات، وروحه ترى ما وراء اللحظة أفقًا أوسع، حيث تُكتب الصفحات الكبرى بمداد الصبر واليقين.

إنه جيل يختصر معادلة النصر في كلمة واحدة: الإيمان. فإذا اجتمع الإيمان مع الصبر، وتلاقى الوعي مع التضحية، صار الإنسان هو المعجزة الحقيقية، وصارت غزة — برمضانها وصبرها ودمائها — مدرسةً كبرى لبناء الإنسان الذي يغيّر وجه الزمان والمكان.

المصدر / فلسطين أون لاين