الوحدة الوطنيَّة في فكر الشَّهيد الرَّنتيسي

تمر علينا الذِّكرى الثَّامنة عشرة لاغتيال أسد فلسطين، الشَّهيد الدكتور عبد العزيز الرَّنتيسي يوم 17 أبريل 2004، وفي ذكرى استشهاده، ستكون لنا فرصة لعرض بعضٍ من الفكرة والرؤية التي كان يتبناها في نظرته تجاه الوحدة الوطنية الفلسطينية، كقائد وطني فلسطيني صادق عمل من أجل تحرير وطنه، وحرية شعبه والدفاع عن حقوقه الثابتة.

لم يكن الشَّهيد الرَّنتيسي رحمه الله مجرد قائد عادي للحركة، فقد جمع كل مواصفات القائد الوطني الملهم، جمع بين الشخصية العسكرية والسياسية والدينية، وكان أديبا وشاعرا ومثقفا وخطيبا مفوَّها يتمتَّع بشخصية كاريزميَّة تجعل له الهيبة في قلوب من يراه، فكان من الوجوه المعروفة على نطاق واسع بين أبناء الشَّعب الفلسطيني.

وكان الرَّنتيسي صاحب رؤية واضحة، ملتزما بفلسطين والمقاومة والحرية ورافضاً للاحتلال وللاعتراف به، ومدركاً لأهمية الوحدة الوطنية الفلسطينية في الداخل والخارج لمواجهة الاحتلال. ودائماً ما كان يؤكد أنَّ الوحدة الوطنيَّة متينة، ولا يمكن أن تزعزعها فتنة يفتعلها عملاء وأصحاب مصالح شخصية لا يخافون الله في أوطانهم وشعبهم.

كل تصريحات الرَّنتيسي قبل نيله الشهادة، كانت تركِّز على الوحدة الوطنيَّة والجهاد؛ فقد كان الشَّهيد الرَّنتيسي رحمه الله من أشدِّ الحريصين على تعميق الوحدة الوطنية، وقال في أول كلمة له بعد تولِّيه قيادة حركة حماس خلفاً للشيخ الشَّهيد أحمد ياسين، إنَّ أول عمل سيفعله أنَّه سيتوجه إلى كل القوى الوطنية والإسلامية، وسيبسط يده لكلِّ الإخوة في الفصائل الفلسطينية؛ كي يلتقي بهم ويكونوا صفًّا واحدًا، حيث أكدَّ الرَّنتيسي وقتها أنَّ الشَّيخ الشَّهيد كان يُعد عنوانًا للوحدة الوطنية، وحماس -دومًا- كانت حريصة على تعزيز هذه الوحدة، وستستمر على ذلك بعد استشهاد شيخها الجليل، وستعمل دومًا بما يخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني وتعزيز وحدته الوطنية.

وفي مقال للشَّهيد الرَّنتيسي، تحت عنوان "نعم للوحدة التي لا تقوم على حساب الحقوق المشروعة" حيث نشر في مركز الإعلام الفلسطيني, و كتب الرَّنتيسي في مقدمته :"أنَّ الكل يتحدث عن الوحدة الوطنية وهذا أمر جيد نشجعه ونباركه، ولكنَّ الخطورة في أن يقتصر الأمر على الأقوال دون الأفعال، وأخطر من ذلك أن يكون الحديث عن الوحدة مجرد تكتيك لتحقيق مكاسب حزبية، ولما كنا جميعاً في فلسطين في مركب واحد، فلا بد من رص الصفوف حول هدف واضح يجمع عليه الجميع بعيداً عن الإفراط والتفريط، فلا يجوز لأحد تحت دعاوى لا تسمن ولا تغني من جوع أن يتفرَّد في تحديد معالم المستقبل الفلسطيني، ضارباً عرض الحائط بكلِّ آراء وتطلعات المخلصين الغيورين على الوطن."

وقد بيَّن الرَّنتيسي في نفس المقال السَّابق أنَّ: "الرؤية الواضحة للحركة الإسلامية، مبنية على فهم عميق للواقع الدولي والإقليمي والمحلي من خلال رؤية واعية نابعة من عمق فهمها لهذا الدين، رؤية بعيدة عن المصلحة الذاتية، رؤية تقدم مصلحة الوطن على كل مصلحة، ولا غرابة في ذلك فهي التي فدت الوطن بالأرواح والمهج، وهي التي انصرفت إلى الجهاد بالنفس والمال من أجل تحرير الأرض والإنسان الفلسطيني."

واختتم الشهيد الرنتيسي مقاله بدعوة موجهة لكل فلسطيني بلا استثناء، وخصَّ بالدعوة أبناء حركة فتح قائلا:

"تعالوا لنقيم صرح وحدة وطنية لا تقوم على حساب الحقوق المشروعة، ولا تتنكر للثوابت المجمع عليها، ولا تتفرد من خلالها جهة مهما كانت في صنع القرار ورسم السياسات، تعالوا لندرس سلبيات الماضي على كلِّ الصُّعد لنرسم الخطى نحو المستقبل الواعد، تعالوا لنقهر الذَّات لأجل الوطن، تعالوا لننطلق سوياً من روح عقيدتنا التي لا تحتمل الزلل."

نعم، لقد استشهد الرَّنتيسي وقد خطَّ بدمه البرنامج الوطني الفلسطيني: المقاومة هي طريق التحرير والعودة. وها هو الشعب الفلسطيني وحركة حماس المباركة مصمِّمون على المضي قدماً على خطى الرَّنتيسي، يحملون الفكر والدعوة نحو الوحدة الوطنية القائمة على الثوابت الوطنية الفلسطينية، والذي انطلقت على أساسه منظمة التحرير الفلسطينية وهو الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يعد خيار المقاومة الأساسي في النضال وتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، واعتبار كل فلسطين الهدف الإستراتيجي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واعتبار منظمة التَّحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ومظلة تجمع كل القوى السياسية والشعبية الفلسطينية.

وختاماً، هذا يتطلب خطوات جادة وإرادة وطنية من جميع الأطراف على الساحة الفلسطينية لإصلاح هذه المظلة ومؤسساتها وإعادة الحياة إلى أوصالها بهيكلية جديدة وعدم إقصاء أي مكون شعبي فلسطيني، والتراجع عن كل الخطوات التي أضرَّت بالوحدة الوطنية الفلسطينية والإجماع الفلسطيني.