حـوت يونس

أتمنى أن تكونوا بخير يا أصدقائي.. أظنكم تعلمون أنني أكبر المخلوقات التي تعيش في أعماق البحار والمحيطات.. فأنا الحوت سيد الأعماق.. وكم شرَّفني وأسعدني أن يتكلم القرآن عني ويذكرني.. أصغوا إليَّ جيداً لتتعرَّفوا إلى حكايتي وحكاية هذا الشرف العظيم الذي خصني الله به.

بذل نبي الله يونس بن متَّى جهده ليُبعد قومه (أهل نينوى في العراق) عن الشرك وعبادة الأصنام ويهديهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، دعاهم 33 سنة.. ولكنهم أصرُّوا على كفرهم ورفضوا دعوته ولم يؤمن منهم إلا رجلان، حتى يئس منهم يونس، فقرر الخروج والسفر بعيداً عن هذه البلدة الكافرة، وانتبهوا أن الله لم يأمره بالخروج.

ركب يونس سفينة وسافر في البحر.. واشتدت العواصف، وجعلت السفينة تتمايل بين الأمواج الضخمة المخيفة وتكاد تنقلب، حتى قرر أصحاب السفينة التخفيف من حملها.. فتخلَّصوا من الأمتعة التي يحملونها في البحر، ولكن دون فائدة، فقالوا: لا بد أن يقفز أحدكم في البحر!

نظر الناس في وجوه بعضهم، كل منهم لا يريد أن يكون هو!

قرر أصحاب السفينة أن يُجروا قرعة، ومن تقع عليه القرعة يقفز في الماء بمحض إرادته.

خرجت القرعة الأولى على نبي الله يونس.. والثانية عليه.. والثالثة أيضاً..

واستسلم يونس لإرادة الله وقفز في البحر دون جدال..

كنت أعوم في المنطقة بين الأمواج حين شعرت بشيء يجذبني ناحية السفينة فتحت فمي الضخم، وابتلعت يونس!!

أنتم مستغربون، وربما مصدومون.. أليس كذلك؟

نعم، لقد ابتلعت يونس، ولكن اطمئنوا، فأنا لم ألتهمه ليصبح طعاماً لي كما تصبح أطنان الأسماك الصغيرة يومياً.. بل دفعته إلى منطقة فارغة في جوفي تمتلئ بالهواء.. فأصبح وكأنه يعيش في غرفة ولكن داخل حوت.. إنه لعجيب حقاً.. أليس كذلك؟

ظن يونس أنه مات.. فأخذ يحرك يديه ورجليه وجسده يستجيب.. إذن هو حي.. يا إلهي!

فسجد يونس لله شاكراً وهو يقول:" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".

ظل يونس يدعو بهذا الدعاء طوال إقامته داخل جوفي.. طفت به البحار والمحيطات، حتى شعرت بشيء يجذبني ناحية أحد الشواطئ.. اقتربت من الشاطئ، وقذفت يونس إلى البر. كان يونس يشعر بضعف شديد، بعد أن أمضى أيامه داخل جوفي بلا طعام أو ماء أو ضوء الشمس..

ظللت أرقب يونس من داخل الماء، فإذا بنبتة يقطين تنمو أمامه بسرعة إلى الأعلى، وتغطيه وتظلله من ضوء الشمس الساطع، ثم أخذ يقطف ثمارها ويأكل منها!

وعندما دبت القوة في جسده مشى عائداً ناحية بلده.. وعندما وصلها.. اشتد استغرابه ودهشته.. يا إلهي!!

وجد جميع قومه مؤمنين! كيف حدث ذلك؟ 33 عاماً وهم مصممون على كفرهم وعبادة أصنامهم، وبعد غياب لم يطل تبدَّل حالهم وتركوا شركهم؟

كيف حدث ذلك؟

أخبروه أنه ما إن خرج من بينهم غاضباً حتى اسودت السماء، وزأرت الرياح بشدة، وثار الغبار.. وتأكدوا أن عذاب الله الذي حذرهم منه يونس سيقع عليهم من السماء.. فجمعوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم وشيوخهم ومضوا يدعون الله ويطلبون منه الرحمة والمغفرة وندموا على كفرهم وعصيانهم أشد الندم حتى رفع الله عنهم العذاب.

فرح نبي الله يونس بهداية قومه وإيمانهم، وابتعادهم عن الشرك بالله وعبادة الأصنام.