غرسوا حنظلًا فهل سيحصدون قمحًا؟!

بين خمسة من الذكور وجدت نفسي أنقل خطواتي في بيت برع في تنشئة براعمه على الدين وحب الوطن والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس. عملت أسرتي في خياطة الملابس، فتعلمت هذه المهنة منذ صغري، وأتقنتها إلى جانب تفوقي المدرسي. 

أحداث متراكمة رسمت معالم طريقي أنا أنسام شواهنة وخطَّت مستقبلي رغماً عني. لم تكن البداية حرب الفرقان.. رغم أنِّي أظنها المرحلة الفاصلة.. كنت هشة رقيقة حينها، في الصف الخامس، على فضائية الأقصى عُرضت صور فظيعة.. تطلَّبني الأمر دقائق عدة لأستوعب: أشلاء تتناثر أرضاً.. جرحى يستلقون أرضاً.. قصف صهيوني لم يبق ولم يذر.. توالت الصورة المريعة لاثنين وعشرين يوماً.. جثث أطفال متفحمة حتى النخاع، أشلاء على حمالات لا يُعرف أصحابها.. 

صور موجعة لنساء وأطفال ورجال تشي ببشاعة محتل ظالم مجرم، انسل دمع القهر من عيون والدي رغماً عن إرادته، وهو الذي تجرع مرارة الاعتقال والتعذيب والظلم حتى ارتوي.. أمرني وإخوتي بالخروج، تظاهرت بالانصياع، ولكن فضول الطفل داخلي جذبني لأختلس النظر من وراء الباب؛ أروم استجلاء حقيقة ما يجري!

ما تزال الصور راسخة في ذهني حتى الآن.. وكيف لي أن أنسى، وكأننا خراف تُساق للذبح طول الوقت دون ذنب أو جريمة يعاقب عليها القانون؟ تلك اللحظة وجدت نفسي أكبر فجأة، ولجت عالم الكبار ولم أستطع الخروج منه، نال التغيير الجذري مني؛ لم تعد الرسوم المتحركة تستهويني، صرت أسترق السمع إلى نشرات الأخبار.. أتابعها، أحفظ الأسماء والأماكن.. وأرصد الأحداث وألخِّصها لأبي عند عودته.. ولم يكن التنكيل بنا وبكل من يضطر لدخول القرية مثل معلمي المدرسة على البوابة العسكرية التي تُغلق مدخل راس طيرة القرية التي ولدت فيها في محافظة قلقيلية بمنأى عما صرتُ إليه.. 

أذكر كيف اعتصمنا (طلاب المدرسة) لأكثر من أسبوعين على البوابة حتى سمحوا للمعلمين بالدخول دون تفتيش، ولكن، بعد عامين أزالوا البوابة نهائياً، وصادروا أراضي القرية وأغلقوها ببوابة لا تُفتح إلا في موسم الزيتون!

وهل أستطيع أن أنسى كيف مُنع والدي من التدريس بعد أحداث انتخابات عام 2006؟ وهل يغيب عن ذاكرتي اعتقاله في سجون السلطة وتعذيبه وشبحه، لمدة 81 يوماً خرج بعدها بكسور عدة في فقرات الظهر حالت دون عودته للعمل في البناء؟ ما دفع عائلتي للتوجه لخياطة الملابس التي عملنا فيها جميعاً وتعاونَّا على طلب الرزق!

أحداث وتراكمات تحرك قلب الحجر فكيف ببشر يشعرون ويتألمون؟ 

تحت التحقيق

كنت أدرس تخصص اتصال وإعلام رقمي في جامعة النجاح الوطنية سنة أولى، حين اعتقلتُ داخل مستوطنة قدوميم.. اجتمعوا وانهالوا عليَّ ضرباً ببساطيرهم وأرجلهم وبدأوا التحقيق معي مباشرة.. وهاجمني مستوطن وحاول خنقي وأنا مقيدة حتى فقدت وعيي.. 

استيقظت لأجدهم قد نزعوا عني ملابسي ما عدا الداخلية منها، يحيط بي أكثر من عشرين جندي، وبدأوا التحقيق وأنا على هذه الشاكلة، رفضت الإجابة وطالبت بملابس تسترني، فغطُّوني بألواح من القصدير يُغطُّون به الشهداء، وأكملوا التحقيق دون أي إسعاف، صرخوا بي وشتموني وهددوني بأن هذه آخر لحظات حياتي.

طالبتُهم بملابس تسترني، فرفضوا، ثم ساوموني على لباس لجيش الاحتلال رفضته بقوة.. ورفضت معه الإجابة، فاضطروا لإحضار بلوزة وبطانية لففتها على الجزء الأسفل من جسدي، وتنقَّلت على هذه الشاكلة بين مراكز تحقيق عدَّة معصوبة العينين مكبَّلة اليدين والقدمين، جائعة، وتعمَّدوا إيقافي في البرد والمطر.

وفي مستشفى (بتاح تكفا).. رزقني الله بدكتورة من أهلنا في الداخل عالجتني وضمدت جراحي وأحضرت لي سروالاً، ولم تعثر على حجاب.

في مركز تحقيق بتاح تكفا تعرضت لتفتيش عاري بالقوة، نقلوني بعدها إلى سجن هشارون، وقبل دخولي قسم الأسيرات تعرضت للتفتيش العاري مرة أخرى. أمضيت ساعتين بين الأسيرات حيث اغتسلت وتناولت بضع لقيمات وحصلت على ملابس وحجاب، نقلوني بعدها للجلمة لاستكمال التحقيق ثم نُقلت للمحاكمة في محكمة سالم.

التجربة الاعتقالية مرَّة صعبة من ألفها إلى يائها، كل محطة لها حنظلها الخاص، الذي يصعب على النفس البشرية استساغته.. استمرت محاكمتي عامين قبل أن يُحكم عليّ بالسجن لخمس سنوات، كانوا ينقلونني بالبوسطة.. وأظنُّ عذاب البوسطة غني عن التعريف!

الاعتياد

أيام الأسر الأولى كانت الأصعب على الإطلاق، تحقيق، منع من الزيارات، ضرورة التأقلم مع حياة الأسر وفقدان الحرية، إرهاق ونوم متقطع بسبب العدِّ الليلي ودقِّ الشبابيك والتفتيش المفاجئ، عدا عن جهلي بأخبار أهلي وانقطاعي التام عن العالم الخارجي، وهو ما سبَّب لي قلقاً مستمراً وخوفاً لا ينتهي. عدا عن حزن كبير جثم على قلبي بعد رؤية معاناة الأسرى عن قرب.

حاولت في هذه الفترة إشغال نفسي بشرح الرياضيات والجغرافيا والإدارة لطالبات الثانوية العامة في الأسر، وتدريس الرياضيات للأسيرات القاصرات، عدا عن تعلُّم الأشغال اليدوية.

في جلسة المحكمة الأولى شاهدت أهلي بعد طول غياب.. دعموني، وشدوا أزري، ما شحذ همتي وزادني ثباتاً.

وجَّهوا لي تهم عدة منها: محاولة تنفيذ عملية طعن مع سابق الإصرار والترصد، ودعم وتحريض منظمة إرهابية معادية.

تنقلت بين سجني هشارون والدامون.. قبل أن أَخرج وأترك قلبي خلفي ليحرس أسيرات وأسرى ينتظرون أن تُفتح لهم أبواب الزنازين!