نعم.. لقد مات أبي!

وكأنني فقدت الدنيا جمعاء.. فجوة عميقة تكاد تبتلعني.. فأسقط في جوفها بكل قسوة!

كيف لا يكون كذلك وهو يتربع على عرش روحي؟ وله منزلة خاصة لا يبلغها أحد سواه؟ أليس هو الشخص الذي تربيت في كنفه وتحت جناحه يغدق عليَّ حبه وحنانه ودعمه في كل المواقف، ولم يزل بي حتى نلت من العلم والارتقاء ما جعلني مدعاة لفخره؟

إنه أبي!

ولكني الآن مضطرة للاستسلام لواقع الفقدان رغماً عن أنفي! 

بدأت الحكاية قبل ثلاثة أسابيع من النهاية.. أصيب أخي بالكورونا، ما اضطر بقية أفراد الأسرة إلى إجراء الفحص، وحتى اليوم الذي ظهرت فيه النتيجة الإيجابية للفحص، كان أبي يمضي وقته متنقلاً ما بين المسجد، والبيت وزيارة الأقارب.. لا بد له من تفقد الجميع مرات عدَّة أسبوعياً سيراً على الأقدام.. رغم أنه رجل سبعيني ابيضَّ شعره ووهن جسده.. ولكنه لا يعترف بالعمر سبباً للتقاعس عن صلة الرحم.

صدر الأمر من الطب الوقائي بالحجر المنزلي.. فأصبح تواصلي معه يقتصر على الهاتف: كيف حالك يا أبي؟

- ألف الحمد لله.. ممتاز.

- هل تشعر بأي أعراض؟

- نهائياً.. يبدو أنهم أخطأوا في الفحص.. ولكن ما باليد حيله.. مضطر للمكوث في المنزل حتى انتهاء فترة الحجر، ولكن يصعب علي جداً مفارقة المسجد.

- لا تحزن يا أبي، إن شاء الله ستعود لمسجدك بسلامة.. ما هي إلا أيام وينتهي الحجر وتعود للخروج كما تشاء...

بقي الحال على حاله حتى اليوم الحادي عشر تحديداً من تاريخ تشخيص الإصابة بالكورونا.. حين اتصلت أختي به في صباح يوم آذاري مشمس فإذا بأبي متعب قليلاً.. سارعت لزيارته برغم الحجر الصحي، وفحصت له الحرارة فإذا بها ضمن الطبيعي.. أما نسبة الأكسجين في الدم فكان منخفض بشكل مرعب.

وهنا انقلب كل شيء وكأن عاصفة هوجاء قد ألمَّت بنا جميعاً وكفأت قدورنا.. 

- اتصِلوا سريعاً بالإسعاف.. لا بد له من مشفى.

- ألو: سيحولون أبي إلى مشفى عمر القاسم في عزون.. لديه التهاب رئوي وبداية ابيِّضاض في الرئة اليسرى!

- لطفك يا رب! ما الذي جرى؟ لقد كان بخير، نزل إلى سيارة الإسعاف على قدميه!! 

- هل يُصدَّق ما يحدث؟ أ ينهار الإنسان هكذا فجأة؟!

يومين في المشفى، تردَّى حال أبي بشكل مفاجئ.. غدا شديدُ الضعف، مهتاجاً، أنابيب الأكسجين تصب الهواء في فتحتي أنفه بقوة وصخب.. يقاومها بشدة رافضاً بقاءها.. 

- ألو.. الطبيب يقول إن أبي في خطر، الأكسجين ينخفض في دمه لدرجة خطيرة برغم الإجراءات التي اتُّخذت! ويقول أيضاً" لقد أصبح من الضروري الآن إدخال أنبوب إلى القصبة الهوائية ووضعه على جهاز التنفس وإبقائه منوماً"!

- هل أنتم موافقون على ذلك؟ ولكنه يقول أيضاً إنه لا بد من تحويله لمشفى آخر يحوي إمكانيات أفضل!

- وكيف نستطيع تحويله لمشفى آخر أفضل؟ هل الأمر بأيدينا؟

- عليكم أن تبذلوا ما بوسعكم لإيجاد مكان في مكان أفضل.

اتصالات ليس لها أول أو آخر مع المستشفيات وشبكة العلاقات والصلات.. وأنتم خير من يعلم أنه في بلادنا أبسط الأمور لا بد لها من واسطة، فكيف بأمر بهذه الخطورة وعلى وجه السرعة؟

لم نتمكن من تدبير تحويل طبي إلى مستشفى بإمكانيات أفضل.. وأُدخل أبي العناية المكثفة في المستشفى ذاته برغم ضعف الإمكانيات، ووضع على جهاز التنفس الصناعي من خلال أنبوب القصبة الهوائية.

تسعة أيام أمضاها مُلقى في سرير على جنب واحد، يتأرجح بين الحياة والموت، انخفضت خلالها العلامات الحيوية تدريجياً حتى توقف القلب تماماً.. وحتى بعد الإنعاش بدا وكأن أبي يمضي في طريق اللاعودة!

فشل كلوي.. انخفاض في نسبة الأكسجين في الدم، نقص أكسجين في خلايا الأطراف وبدء ظهور بقع سوداء مخيفة..

يا إلهي!! ماذا يحدث لأبي؟؟ افعلوا شيئاً لإنقاذه!! أرجوكم!!

أبي يموت!!

- لو أنه اتخذ وسائل الحماية منذ البداية.. ما وصل إلى وصل إليه!!

- رحمك الله يا أبي.. امضِ إلى خالقك بأمن وسلام!!