بالصمود والمقاومة.. أهالي سوسيا يعرقلون مصادرة الاحتلال أرضهم

...
الخليل– غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

أنْ تخرج أنت وأبناؤك صباحًا، فلا تدري هل ستعودون مجددًا لمنزلكم أم لا؛ هذا يعني أنك تعيش في قرية سوسيا قضاء الخليل، التي يحاصرها الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه من كل صوب، ويحرمها أبسط مقومات الحياة، ولا يكتفي بذلك، بل يعتدي على سكانها ليلًا ونهارًا، لدفعهم إلى ترك أراضيهم، ليقيم عليها مرافق عامة ومتنزهات للمستوطنين، لكنه مع كل اعتداءاته لم يستطع كسر شوكة أهل القرية.

أبصرت عينا الشاب حمدان هريني النور في القرية، وكان شاهدًا على انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه منذ صغره، لكنه يبدي قلقه على أطفاله وأطفال القرية من اعتداءات جسدية وصدمات نفسية، بسبب الارتفاع المطرد في هجوم الاحتلال ومستوطنيه عليها.

القلق على مصير الأسرة، والتفكير ليلًا ونهارًا في كيفية حمايتها دون الاضطرار إلى ترك الأرض للمستوطنين؛ هما الهم الشاغل لرجال القرية، كما يبين هريني.

يقول: "نواجه كل أنواع الظلم والاعتداء من هجوم للمستوطنين، وهدم للبيوت، ومصادرة للأراضي، واعتداء بالضرب على رعاة الأغنام، ما يؤثر سلبًا في السكان من كل النواحي النفسية والاقتصادية والاجتماعية".

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمنطقة محرومة من الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بل إن جميع بيوت القرية الـ(43) تلقت أوامر هدم إسرائيلية منذ عام 2012م بهدف تهجير أهلها، "وبعد حملة شعبية نفذها نشطاء من القرية جمدت أوامر الهدم، لكن بشرط عدم إجراء أي مواطن تغييرًا في منزله أو تعديلًا أو إضافة مرافق".

يضيف هريني: "مَنْ يسمع بالبيوت لا يعلم أنها في الحقيقة مجرد غرف صفيح وخيام، ولو أجرى أي مواطن تعديلًا على بيته فإنهم قد يهدمون القرية كاملة".

والانتهاكات لا تقتصر على جيش الاحتلال، بل إن مَنْ يقودها حاليًّا المستوطنون، خاصة من مستوطنة "سوسيا" التي تبعد مئتي متر عن القرية، يتابع حديثه: "حواجز الجيش تقام يوميًّا، فإذا أردنا أنْ نخرج للمشفى في يطا لأمر طارئ؛ فالطريق الذي يستغرق ثلث ساعة قد يستغرق خمس ساعات، هذا إذا سمحوا لنا بالمرور أساسًا".

الماء بالخزان والكهرباء مفقودة

والمياه معاناة أخرى لأهل القرية الذين يعتمدون في توفيرها على آبار الجمع، فإذا كان المطر في الشتاء شحيحًا؛ فإنهم يضطرون إلى شراء المياه بكثرة طوال العام، ما يكلفهم ثمناً باهظًا، فهم يحتاجون لمياه لمواشيهم أيضًا إذ يعتمدون في معيشتهم على الرعي.

يشرح هريني بالقول: "في السنة غير الماطرة أي التي تمطر كل أسبوعين أشتري –مثلًا- خزانًا (عشرين كوبًا) بتكلفة 35 شيقلًا، فنحن نشتري المياه من يطا، والمخاطرة التي يعانيها مزودو المياه في الوصول إلينا ترفع السعر".

ويلفت إلى أنّ هذه الكمية من المياه يعتمد عليها 22 فردًا، إضافة إلى المواشي التي يعتمد عليها في تأمين سبل عيشه.

وتوفير الكهرباء معاناة أخرى في فصل الشتاء، "فقد نمر بأيام من الظلام الدامس، لضعف أشعة الشمس، وعدم قدرة الخلايا الشمسية على تغذية البطاريات" يضيف هريني.

وتشهد القرية كل أسبوع هجمات للمستوطنين على الأراضي والبيوت والمراعي، تؤدي إلى خسائر باهظة، ما يضطر الرعاة إلى شراء أعلاف لتعويض هذا الدمار، ما يرفع التكلفة عليهم، في حين أنّ الاحتلال منذ انتهت انتفاضة الأقصى صادر قرابة 60% من مراعي "سوسيا" بذرائع مختلفة.

وإذ يبين هريني أنّ كلّ ما يريده الاحتلال هو تهجير الفلسطينيين وبناء "دولة يهودية" خالصة تدريجيًا، ومحاولة دفع المواطنين للهجرة من أراضيهم؛ يُذكر أنه كان يُمهلهم 45 يومًا للاستئناف على قرار الهدم، مُعقبًا: "أما الآن فلا تمنح سوى 96 ساعة؛ فلا تستطيع فعل شيء".

صدورهم العارية

وعندما شعر الاحتلال –وفقًا لحديث هريني- بأنّ كل محاولاته لتهجير أهل القرية باءت بالفشل؛ لجأ لدعم هجمات المستوطنين لبثّ الرعب في نفوس فلسطينيي سوسيا، ودفعهم للرحيل من أراضيهم، لكنّ الأهالي يواجهونهم بصدورهم العارية.

ويمضي إلى القول: "ففي آخر هجمة للمستوطنين دهم ستون منهم القرية، وعندما لم يستطيعوا دخولها بسبب تصدي المواطنين أطلقوا النار على الأهالي مباشرة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فإنّ مستوطني "سوسيا" لا يقتحمون القرية وحدهم بل يؤازرهم في ذلك مستوطنون من نابلس وأماكن أخرى".

بدوره يؤكد جهاد النواجعة أنّ "سوسيا" تعيش مشكلات مع المستوطنين ليلًا ونهارًا، حتى في أثناء مغادرة القرية والعودة إليها خطر مصادرة الاحتلال السيارات والآليات قائم، لكونها غير مرخصة، إذ لا يسمح الوضع المادي للمواطنين بتحمُّل تكاليف الترخيص.

أما المدارس فيوضح أنّ هناك مدرسة مختلطة (من الأول حتى التاسع) من أسوار مسقوفة بالحديد، ويعترض الطلبة المستوطنون وجيش الاحتلال في ذهابهم وإيابهم.

أمّا طلبة الثانوية العامة فيُضطرون للذهاب إلى مدرسة "التواني" البعيدة عن "سوسيا"، في حين يعتمد أهل القرية في حياتهم على الزراعة والرعي، وهم على فقرهم الشديد ومعاناتهم الأشد عازمون على عدم ترك أرضهم، مهما كلّفهم ذلك من ثمن، وفقًا لتأكيد "النواجعة".

وتواجه سوسيا منذ سنوات طويلة عملية تهجير قسري يُنفّذها الاحتلال الإسرائيلي بحقّ أهلها الفلسطينيين، إذ أقام الاحتلال عام 1983 مستوطنة "سوسيا" على جزء كبير من أراضي القرية، وفي عام 1986 هجَّر الاحتلال سكانها قسرًا بعد أن أصدر أمرًا أعلن بموجبه أراضيها ما أسماه "حديقة وطنية ومتنزهًا"، ومنع الفلسطينيين من دخولها.