النقب في مواجهة الاقتلاع

 

يخوض فلسطينيو الداخل معركة كبرى في مواجهة الاحتلال “الإسرائيلي”، بعد أن أخرجت سلطات الاحتلال مخطط (برافر) الحكومي “الإسرائيلي” المتعلق بـ”تهويد منطقة النقب” من جيبها مرة جديدة، والقاضي بتهجير نحو ثلاثين ألف مواطن عربي من قراهم في منطقة النقب، ومصادرة نحو نصف مليون دونم من الأراضي العربية. وكان آخرها قرية الأطرش، وقرية سعوة، التي تسعى سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” لتجريف الأراضي وتحريشها فيها، والقيام باعتقالات، واقتحامات للمنازل، وقمع لاحتجاجاتهم التي انطلقت ضد سلب أراضيهم من قبل “السلطات الإسرائيلية”.

ومنذ النكبة، بدأت عملية التهجير القسري الممنهج للبدو الفلسطينيين في منطقة النقب، والتي ترافقت مع احتلال “إسرائيل” لبلدة بئر السبع والتدمير الكامل والتهجير لكل التجمعات السكانية الأصلية هناك. ومع أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كان أكثر من (90) ألف بدوي فلسطيني من أبناء منطقة النقب وعشائرها، قد أجبروا على الرحيل، وتحوَّل معظمهم إلى لاجئين في المناطق المجاورة في قطاع غزة، ومناطق الضفة الغربية، خصوصًا منطقة الخليل وضواحي القدس، وشبه جزيرة سيناء والأردن. فقد لجأت غالبية بدو النقب إلى قطاع غزة وبنسبة أقل إلى الأردن وقد عرفوا بـ(السبعاوية)، في حين حطت أعداد منهم في التجمعات البدوية على امتداد الصحاري الشرقية للضفة الغربية حيث ما زالت العشائر البدوية المهجرة من بئر السبع وعراد جنوب فلسطين تعيش في بيوت بدائية من الشعر والصفيح والبلاستيك، كتلك التي عاش فيها ضحايا النكبة جميعهم. كما شكل في أبناء العشائر من بدو فلسطين نسبة لا بأس بها من اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى سوريا ولبنان والأردن من بدو الجليل والجليل الشرقي وغور طبريا وسهل الحولة في الشمال.

(مخطط برافر) يُهجّر نحو ثلاثين ألف مواطن فلسطيني في الداخل، من أماكن سكناهم إلى “قرى الفقر”. مستهدفًا الجميع في الجزء المحتل من فلسطين عام 1948. وتحت عنوان مُضلل لصحيفة “يديعوت أحرونوت الإسرائيلية” وفي موقعها على الشبكة قبل فترة من الزمن، أنه “للمرة الأولى بعد مئات السنوات من التنقل، من المتوقع أن يحصل البدو على ملكية أراضٍ في النقب”. ولكن هذا العنوان يخفي حقيقة أن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” لا تعترف بملكية مواطني النقب على أراضيهم إلا في حال أبدوا استعدادا للمساومة عليها. كما يتضح من التقرير أن هناك مخططًا للاعتراف بملكية عرب النقب لنحو 200 ألف دونم فقط، علمًا أنهم يملكون نحو 1.1 مليون دونم كما تجدر الإشارة إلى أنه قد أقيم في النقب نحو 112 مستوطنة يهودية يصل معدل المستوطنين في كل واحدة منها إلى نحو 350 شخصًا، وفي المقابل، فإن سلطات الاحتلال تسعى إلى تهجير نحو 45 قرية عربية لا يقل عدد السكان في كل واحدة منها عن 1700 شخص.

وكانت جرافات سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” قد قامت باقتلاع (قرية العراقيب) عشرات المرات، الواقعة داخل عمق فلسطين المحتلة عام 1948، وتحديدًا شمال مدينة بئر السبع، كما أخلت نحو ثلاثمائة من سكانها، بزعم البناء دون ترخيص، ومن أجل “التخطيط العمراني”، في ممارسات تجسد مأساة الشعب الفلسطيني في أوضح صورها في منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة، فمن الاعتقال والملاحقة للشباب العربي هناك، مرورًا بهدم المنازل وتدمير القرى العربية، وصولا إلى مصادرة جيش الاحتلال لما تبقى من الأراضي العربية.

فلماذا جاءت تلك الإجراءات “الإسرائيلية” الأخيرة ضد قرية العراقيب؟ وهل كانت بالفعل إجراءات لها علاقة بالتخطيط العمراني كما تدَّعي سلطات الاحتلال؟ أم أنها جاءت في سياقات معروفة ومعلومة في إطار سياسات الاحتلال المنتهجة ضد عرب النقب والهادفة لإعادة حشرهم وحصرهم في بقع جغرافية محدودة ضمن مخطط التهويد الشامل والكامل لمنطقة النقب بشكل عام؟

وفي هذا السياق، تُعدّ منطقة النقب وعاصمتها بئر السبع من المناطق الحيوية الواقعة جنوب فلسطين المحتلة؛ نظرًا لاتساع مسحاتها نسبيًّا، وقربها من مصر عبر مجاورتها لحدود طويلة مع منطقة سيناء، ومجاورتها لشريط جنوب الأردن، وإطلالها على البحر الأحمر من خلال فتحة مدينة أم الرشراش (إيلات) التي تُعد جزءًا من منطقة جنوب النقب، فضلًا عن اكتناز المنطقة للعديد من الثروات الباطنية التي لم تصرح عنها إلى الآن سلطات الاحتلال، فيما تذهب العديد من المصادر لتأكيد وجودها، بما فيها العناصر النادرة في الجدول الدوري الكيميائي كاليورانيوم وغيره. إضافة لذلك تُعد منطقة النقب من المناطق الرئيسة لوجود “القواعد الجوية الإسرائيلية”، ومراكز التدريب والكليات العسكرية لجيش الاحتلال، إضافة لمفاعل ديمونا وملحقاته. فقد انتشرت في قضاء بئر السبع المنشآت العسكرية والمستعمرات التي تتزايد يومًا بعد يوم، التي تحول بعضها إلى مدن كبيرة مثل ديمونا وعراد، وإيلات، ونتيفوت، وافقيم، ويروحام، وسدي بوكر وغيرها.