شتاء مرير وحياة لا يتمنينها لأحد

تقرير نساء الزرنوق يكابدن شظف العيش للحفاظ على الأرض

...
النقب المحتل-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

"شتاء قاسٍ بكل تفاصيله" هو ما يعايشه أهالي قرية الزرنوق مسلوبة الاعتراف في النقب المحتل، فهم لا يمتلكون أدنى مقومات الحياة التي تمكنهم من قضاء أمور حياتهم اليومية، فكيف بشتاء قارس يقضونه بلا كهرباء ولا ماء ولا طرق مرصوفة؟

وإذ يقع ثقل المعاناة على كاهل ربات البيوت اللاتي ينجزن شؤون بيوتهن بأقل القليل، يرين أن للصمود في الوطن ضريبة باهظة لا بدّ من دفعها وكل شيء دون التفريط بالأرض هيّن.

سلسلة من المعاناة

ما إن يحل فصل الشتاء تتضاعف المعاناة لدى أهالي القرية المحرومة من كل الخدمات، فالبيوت حجارة مسقوفة بألواح الصفيح "الزينقو"، والشوارع الطينية تغرق بالمياه، ويصبح التنقل عبرها أمراً صعباً.

يبادر أهالي القرية قبيل حلول الشتاء لسد كل منفس في بيوتهم بـ"النايلون" والأخشاب لمنع تسلل مياه الأمطار إليها، في حين الحصول على تدفئة أمر ليس بالسهل أبداً في القرية؛ لعدم وجود الكهرباء.

تصف المواطنة حُسن قويدر "أم محمد" الحياة في القرية بأنها سلسلة من المعاناة الممتدة، "الدنيا من حولنا تتغير ونحن على حالنا، لا يتطور حالنا سوى بأقل القليل الذي نسترقه بعيداً عن أعين الإسرائيليين".

فقبل ثلاثين عاماً كان أهل القرية يعتمدون على المولدات الصغيرة للحصول على الكهرباء، أما اليوم فهم يستخدمون الطاقة الشمسية، "وفي كلتا الحالتيْن التكلفة باهظة ترهق جيوبهم ما بين شراء المعدات وإصلاح الأعطال".

وفي فصل الشتاء ما أن يحل الصباح حتى تسارع قويدر (58 عامًا) للقيام بأعمالها المنزلية، فلا شيء يمكن تأجيله حتى المغيب، فقلة سطوع الشمس تعني أنه لن يكون هناك طاقة كهربائية بالقدر المناسب لتشغيل جميع الأجهزة الكهربائية التي يطفئونها للاستفادة من طاقة البطارية الجافة في تشغيل الإنارة. والإنارة في عرف العائلة تعني ضوءًا واحدًا فقط "يخفف عتمة ليلنا".

عتمة المساء

تضيف أبو قويدر: "نتجمع مساءً حول مدفأة تعمل على الحطب للحصول على بعض الدف في أجواء الليل الصحراوية شديدة البرودة"، مشيرة في الوقت ذاته لصعوبة الأوضاع المعيشية حيث إن غالبية الرجال عاطلون عن العمل.

وتمعن سلطات الاحتلال في تضييق سبل العيش على سكان الزرنوق كحال قرى النقب المحتل كافة، وتمارس عمليات الهدم والتهويد لوجودهم في المكان يوميا.

وتشير السيدة المولودة في القرية ذاتها إلى أن آليات الهدم الإسرائيلية أطبقت أسنانها على منزلها ثلاث مرات، كما سبق أن هُدمت منازل أشقاء زوجها وابنه مرتين، "ففي أي لحظة قد تجد نفسك في العراء".

وما يؤلم قلب قويدر أن خطوط الكهرباء التي تزود مستوطنة "عومريت" والمستوطنات المجاورة الأخرى تمر من فوق رؤوسهم في حين يحرمون أبسط الحقوق الإنسانية، "لكن كل ذلك يهون أمام التفريط بالأرض، فالأرض كالعرض لن نفرط فيها أبداً".

لا خدمات

ولا تختلف الحال كثيراً لدى وضحة توفيق (48 عاماً) التي لا تتمنى لأحد أنْ يعيش في نفس الظروف الحياتية، من انعدام لأبسط الخدمات، "ففي الشتاء نسابق الوقت صباحاً لكي نستفيد من الكهرباء التي نحصل عليها من الخلايا الشمسية في حين تتعطل حياتنا مساء حتى صباح اليوم التالي".

ويترافق مع ذلك الهدم اليومي الذي يمارسه الاحتلال بحق بيوت القرية، "ففي كل يوم هناك معاناة مع الهدم، فنُضطر لبناء بيوت من "النايلون" لنتوسع فيها، وبمجرد أن يرصدوا أي حركة بناء يأتون للمنطقة فوراً".

وتصف توفيق مساء الشتاء بـ"الطويل والمرير" في القرية، "فلا يمكنك تشغيل أي جهاز كهربائي أو الحصول على تدفئة أو ماء ساخن، فليس لنا إلا إشعال النار عبر الحطب للحصول على بعض الدفء".

مسار المدرسة الطويل

وأما المدرسة فمعاناة من نوع آخر، فهي "كرفان متنقل" يذهب إليه أبناء القرية صباحاً مهندمين، ويعودون بحال أخرى، بسبب الشوارع الطينية ومياه الأمطار، "لكن ما باليد حيلة، فلديّ ولدان في الإعدادية والثانوية يقطعان يومياً مسافة كيلومتر للوصول إلى المدرسة في ظروف بيئية صعبة" تقول توفيق.

وإذ تؤكد توفيق أن ما يدفعهم في القرية لتحمل كل ما يحدث بحقهم من قبل قوات الاحتلال، والتأقلم مع الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها منذ نعومة أظفارهم، هو يقينهم بأن الأرض لهم وأن المحتل إلى زوال.

وتعد "الزرنوق" واحدة من 36 قرية فلسطينية لا تعترف بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في النقب المحتل. وتقع القرية شرق مدينة بئر السبع بحوالي 13 كيلومترا على طريق 25 الممتد بين بئر السبع وديمونة في النقب.

ويصل عدد سكان الزرنوق حسب تقديرات غير رسمية إلى نحو 5 آلاف شخص، وتسكنها عائلات أبو قويدر وأبو ماضي والرفايعة والأعسم وغيرها، في حين تعد عائلة أبو قويدر كبرى عائلات الزرنوق ولهذا تعرف القرية أيضا باسم "أبو قويدر"، ويصل عدد السكان من العائلة حسب تقديرات غير رسمية إلى نحو 3 آلاف نسمة.