أُم الأسير سعيد ذياب: على أمل عودتك قريبًا أعيش يا بؤبؤ عيني!

كم أشتاق لك، لحنانك وعواطفك الجياشة أيها الشاعر المثقف الرقيق، منذ طفولتك المبكرة وأنت رجل صغير، تعطف عليَّ وتعينني في أعباء البيت وتربية إخوتك، حتى مصروفك الشخصي تشتري به حلوى، تهرع بها إلى البيت تضع في فمي قطعة منها، ثم تمر على جميع أفراد الأسرة تعطي كلًّا نصيبه مهما كان صغيرًا! لا أدري يا قمري إن كنت تتذكر هذه التفاصيل أم لا، أما أنا فلا أظنني أنساها يومًا!
سعيد يا بؤبؤ عيني، كل يوم يمر علي وعليك، أراني أزداد حبًا فيك بطريقة تثير العجب، يسألني إخوتك: أليس لك إلا سعيد؟ فتسيل الدمعة من عيني رغمًا عني وأقول: سعيد يختلف في كل شيء، حبه يملأ أركاني!
 25 عامًا تنقلت فيها بين السجون بلا كلل لعل عيني ترتوي منك لدقائق، كل المعاناة تهون يا سعيد مقابل أن تضمك عيوني، وكم أتمنى لو أن هذا الزجاج السميك العازم يختفي، فآخذك في حضني، ولا أتركك أبدًا، بل أُحلِّق بك بعيدًا، بعيدًا عن السجن وأسواره المقيتة، أُحلِّق بك هناك، فوق سماء فلسطين، تحت أشعة الشمس الدافئة الحنونة مثلك، ولا أتركك إلا بعد أن أضعك في عش على شجرة سامقة، بعيدة لا تطالها أيدي الظلم، لتستمتع بما تبقى من عمرك وعمري.
غدوتُ على أعتاب الستين من عمري، وولجتَ عامك الأربعين يا نور عيني خلف أسوار السجون، جعلوا من بلادك منافي تتذوق جحيمها وغربتها، وكأننا لا نستحق الحياة! 
ماذا أحدثهم عنك يا سعيد؟ ماذا أقول لهم؟ 
هل أُخبرهم أنك نشأت في المساجد ودور القرآن، تدرس وتُدرِّس فيها؟ وأن الكتاب والعلم خير أصدقائك وأقرب رفاقك؟ أنهيت الثانوية العامة بتقدير جيد جدًا، وانضممت إلى كلية الشريعة- جامعة النجاح، ولكن المحتل لم يكن ليسمح للأحرار أمثالك بأن يسيروا في طريقهم الذي اختاروه بملء إرادتهم، يعشقون هذا الوطن ويُخلصون نيتهم لخالقهم، اعتقلوك للمرة الأولى لمدة عام.
وبعد خروجك مباشرة، عدت لجامعة القدس المفتوحة تدرس اللغة العربية، وفتحت مشروعك الخاص لتعمل وتدرس في الوقت ذاته، وتنشط وطنيًا وسياسيًا، تربصوا بك في ساعات المساء الأولى بعد خروجك من صلاة العصر مباشرة، قوات خاصة من المستعربين حاصروك بملابس عربية تحت تهديد السلاح، لتصلني الأخبار إلى بيتي بأن سعيد قد اعتقل!
ثلاث سنوات تنقلتَ فيها بين سجون عدة، أسعى خلفك من سجن لآخر، لأسرق دقائق تروي ظمأ روحي، وخرجت منها رافع الرأس شامخًا، لتستمر في درب المقاومة والدفاع عن الوطن كما هو طبعك المتأصل في أعماقك، فليس من دأب الأحرار أن يتراجعوا عن دربهم الذي آمنوا به واختاروه طواعية، أكملتَ مسيرتك وبقيت مطاردًا لعامين، معرَّضًا للاغتيال أو الاعتقال في كل لحظة، حُرمتَ النوم في بيتك أسوة بكل الناس، يحرسك قلبي ولا تراك عيني إلا لِمامًا، ولكني كنت مرتاحة الخاطر لأنك حرًا تتنقل حيث تشاء وكيف تشاء، وليس هناك من هو أخبر مني بمدى حبك للحرية والانعتاق، للشمس للهواء للزهور للطيور.
سعيد يا روح قلبي، غلبك الشوق ليلتها، فإذا بك تقفز على حين غرة من الجدار الخلفي للبيت، عانقتك بشوق وشعرت بأني لا أريد أن أعتقك، أريد أن أُعوض ولو جزءًا يسيرًا من الحرمان الذي يعصف بي وبك.
تمددتَ قليلًا، وغفوت، فإذا بجيش الاحتلال يطوق الحارة ويقتحم البيت من سطح البيت، وتقع مرة أخرى أسيرًا بين أيديهم أيها الطائر الحذِر المتيقظ!
احتجزتك أقبية التحقيق وزنازين العزل، ولصلابتك وإصرارك على عدم البوح، حاصروا بيتنا مرة أُخرى، ولكن هذه المرة كنت أنا المقصودة، خدعوني بقولهم إن الضابط المسؤول يريدني لأمر يتعلق بسعيد، ركبت معهم في سيارة عسكرية بجرأة منقطعة النظير، قيدوني، ولم يداخلني خوف أو تردد، سارت بنا السيارة في طريق أعرفها جيدًا حتى وصلنا إلى حاجز زعترة جنوب شرق نابلس، ثم انحرفت السيارة إلى طرق لا أعرفها، عصبوا عيني وسرنا مسافة طويلة، قبل أن ينزلوني إلى سجن أراه للمرة الأولى، رغم أني أعرف من الزيارات جميع السجون التي تنقل سعيد بينها، اقتادتني مجندات إلى عيادة السجن، ليسألني طبيب أسئلة تتعلق بصحتي، وقبل أن أُجيب عن أسئلته سألته: أين أنا؟ فقال مستغربًا: أنت في سجن الجلمة! ولم يُعتقل سعيد سابقًا هنا. في التحقيق، شعرت بقوة عجيبة تتسرب في عروقي، ابتدرني المحقق قائلًا: هل تعرفين لماذا أنت هنا؟
قلت باستغراب: ولماذا أنا هنا؟
قال: أولادك اعترفوا عليك!
ضحكت بملء شدقي قائلة: وأين هم أولادي؟ هيا أحضرهم لأسمع منهم! سبحان الله، اعتقلتم مع أبنائي 26 شابًا من البلد، لم تستطيعوا سحب اعتراف واحد منهم، فجئتم إليَّ لتأخذوا ما عجزتم على أخذه منهم؟ كم أنتم فاشلون!
فإذا به يقول لي: مسكين علي (ابني الصغير، وعمره 3سنوات)!! هو الآن يبكي على غيابك، من سيعتني به؟
قلت له: لا تقلق، لن يحدث له شيء، والده وأخواته معه!
وتركوا سعيد يمر من أمامي وعليه دماء وآثار التعذيب، تماسكت، وتظاهرت بأني لم أتأثر!
13 يومًا لم يستطيعوا هزيمتي! أو التأثير في سعيد.
حصل سعيد في السجن على شهادته الجامعية الأولى، ثم الماجستير، يكتب الآن أشعارًا ومقالات، وكتبًا، بعض أشعاره تحولت إلى أناشيد جميلة تبثُّ الأمل في النفوس، وتغني للحرية والوطن الحر، يترقب بزوغ الفجر الذي نحسبه بات قريبًا جدًا أقرب من أي وقت مضى ما دامت المقاومة تحمل قضية الأسرى على عاتقها ولن يهدأ لها بال حتى تفك قيودهم جميعًا.