ديمقراطية التعليم

تعد الجامعة منارة للعلم والعلماء وأداة التنمية والتغيير والتطوير في أي مجتمع يسعى للرقي والنهضة ومواكبة العصر والتفوق على الآخرين, فالتعليم الجامعي كان وما زال أحد أهم مجالات الصراع الاجتماعي والسياسي في العالم، حيث استطاعت القوى الوطنية المناهضة للاستعمار الداخلي والخارجي ولكل صنوف القهر والتسلط أن يكون التعليم الجامعي والجامعات إحدى آلياتها وأدواتها الفاعلة في مواجهة الهيمنة والاستبداد، انطلاقا من أن التعليم في جملته يشيع العلم والاستنارة العقلانية بين طلابه والراغبين فيه، لذا يجب أن يتمتع النظام التعليمي الجامعي بقدر من الاستقلالية تتيح له أن يساعد في تكوين وتشكيل وعي الأجيال الجديدة بصورة معاكسة لما ترسمه الدولة أحياناً من خطط وسياسات وتضعه من برامج ومناهج لتدجين واحتواء المواطن، وذلك من خلال "المنهج الخفي" ذلك المنهج الذي يعبر عن مجمل التفاعلات الاجتماعية في محيط الجامعة وبيئة التعلم.

وكما يقول باولو فريري: " إن الحقيقة الاجتماعية لم توجد بالصدفة، بل وجدت نتيجة لجهود الإنسان، كذلك فإن عملية التغيير لا تتم بالصدفة، بل تتم نتيجة لجهود الإنسان، وإذا كان الرجال هم الذين يحدثون التغيير في الحقائق الاجتماعية، فإن تلك الحقائق تصبح بالضرورة عملا تاريخيا من صنع الرجال ... "

فإذا كانت الديمقراطية تعني المشاركة الحرة والفاعلة لكل فرد في الحياة العامة (وهي خاصية تفتقدها الكثير من المجتمعات النامية) فإن مناهج التعليم الجامعي معنية بصياغة المجتمع بطريقة متميزة والعلاقة بين مناهج التعليم والديمقراطية هي علاقة جدلية، يتأثر فيها كل طرف بالآخر. والإنسان بطبعه تواق للاستزادة، ولن يتوقف عن طلب حاجته للتعليم ما دام قادراً على الوصول إلى تحقيق هدفه.

والديمقراطية لا يمكن تصورها بمعزل عن مناهج التعليم، والإصلاح التربوي قضية دائمة متجددة لكل الشعوب، والمناقشة المستمرة لهذه القضية لا تعني وجود أزمة أو مشكلة وإنما هي ضرورة ملحة للمجتمع، وهي الآن قضية مثارة للنقاش في بلداننا كما هي في البلدان المتقدمة، ولكن هل نملك الشجاعة لنناقش قضايا التعليم بصورة منهجية تخرجنا من دائرة الجدل حول ماهية التعليم المقدم في الجامعات؟
دعونا نخرج عن النمط التقليدي في طرحنا للقضايا، ففي جامعاتنا عموماً ومن خلال ما يصدر عن الأطر الطلابية من إعلام داخلي، هناك من يرفض فكرة القبول بالآخر، وكل الآراء المتباينة تتحدث عن هذه القضية بالتحديد، فلا يوجد طرح على الساحة السياسية والإعلامية والتربوية إلا وتتصدر فكرة إقصاء الآخر. هذه حقيقة علينا مواجهتها بعقل منفتح بعيدا عن التطرف والتشنج. والسؤال الذي يطرح: لماذا نقصي الآخر؟ إن الطريقة المعمول بها في مناهجنا التعليمية تؤكد أننا الأفضل والأعلى. هذه العموميات يجب أن يعاد النظر فيها نظراً لتداخل الأمم والحضارات مع بعضها البعض في ظل التطور التقني والتكنولوجي مع الاحتفاظ بقيمنا وهويتنا أينما تحاورنا وحيثما كنا.