الأردن بلد النشامى والأردن بلد المقاومين

النشمي هو الشهم الشجاع، وهو الرجل الوفي صاحب النخوة، نظيف الطباع، والنشمية هي المرأة الشريفة العفيفة، وهذه صفات الإنسان العربي بشكل عام، ولا سيما أبناء الصحراء، الذين صقلتهم الشمس بسيفها، فامتشقوا قامة الريح دفاعًا عن الحق، فكانوا فرسان المعارك على أرض فلسطين، وكانوا الصهيل الذي يمزق صمت المتخاذلين.

الأردن بلد النشامى، هذه حقيقة لا يجادل فيها إلا كل مدسوس، أو صاحب أجندة حرف المسار المعادي للصهاينة، ونبش الجراح التي دملتها الأطماع الإسرائيلية؛ وهي تتجاوز حدود فلسطين، وتعبر نهر الأردن الذي كان شاهدًا على العمل الفلسطيني الفدائي، وهو ينطلق من الأردن العربي ذات تضحية، فأربك حسابات الصهاينة.

ويظل الأردن في واجهة الأحداث الفلسطينية لأنه مصب الأطماع الإسرائيلية، وهذا ما يدركه الشعب الأردني الذي هتف في مظاهرات عمان ضد صفقة الكهرباء والماء، ورفع علم فلسطين، وهتف للفدائي، وكل ما سبق من شعارات موجه ضد العلاقة مع العدو الإسرائيلي، وضد التطبيع، وضد تدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وضد شراء الغاز من الاحتلال، وضد الظمأ للمياه الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه ضد التنسيق والتعاون الأمني، فترديد لفظة فدائي في مظاهرات عمان تصحيح لشكل العلاقة التي يجب أن تقوم بين الفلسطيني ومغتصب أرضه، وهي علاقة الفداء والتضحية، وليست علاقة التبعية الاقتصادية، وحمل المكنسة وتصريح العمل لتنظيف أوساخ العلاقات المشبوهة في شوارع تل أبيب.

إن تلويح الأردنيين بالعلم الفلسطيني لا يعني استخفافًا بعلم بلادهم، ولا يعني تغليب القطرية على القومية، بالعكس، التلويح بالعلم الفلسطيني رد فعل عربي على مسيرات الأعلام الإسرائيلية، وفيه إعلان عشق أبدي بين العربي وأرض فلسطين التي يرمز لها العلم الفلسطيني، ونحن نراه يرتفع في المغرب وعُمان والكويت والبحرين والسودان ومصر وسوريا، وفي كل مناسبة وطنية، بل نرى العلم الفلسطيني يرتفع في باريس ولندن ونيويورك في رسائل تضامن وتعاضد مع القضية الفلسطينية، وكذلك حال الأردن، فحين يرفع الشعب العربي الأردني علم فلسطين، فلا يعني ذلك إلا التأكيد أن قضية فلسطين هي قضية كل الشعب الأردني.

مظاهرات جامع الحسين وسط عمان في يوم الجمعة الماضي لم تكن ضد مشروع الكهرباء مقابل الماء الذي ترعاه الإمارات فقط، مظاهرات عمان كانت ضد التطبيع بكل أشكاله، وضد قيادة منظمة التحرير التي تقود مرحلة التنسيق والتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية، وهنا نصل إلى الحقيقة التي تقول: إن الأردني النشمي والفلسطيني المقاوم، كلاهما جنود في نفس الخندق، وضد العدو نفسه، ويرفضون سياسة التطبيع، ويرفضون سياسة التنسيق والتعاون الأمني، وما دون هذا الفهم، فهو فتنة، لأن أصل الأردني والفلسطيني والسوري واللبناني واحد، وكان المواطن العربي يتنقل في مشارق البلاد ومغاربها بلا حواجز، وبلا جواز سفر يفرق بين الجنسية الفلسطينية والأردنية والجزائرية واليمنية، وفق ما أراد الاستعمار الفرنسي والبريطاني قبل مئة عام، ووفق إرادة المحتلين الجدد من أمريكيين وإسرائيليين.

في قطاع غزة، وقبل ستين عامًا، كنت أسمع جدي يردد كلمة نشمي، وحين سألته عن معناها قال: النشمي يا فايز، هو الشهم الشجاع، النشمي هو العربي الأصيل أينما كان، فأدركت يومها أن النشمي موجود في بلاد الحجاز والأردن وليبيا والمرأة النشمية موجودة في غزة والضفة وفي الكويت والعراق، وفي السودان واليمن وموريتانيا، والنشمي كل عربي يأبى الضيم في الصومال وقطر، ويرفض المذلة، ويغيث الملهوف، ويضحي بالروح في سبيل الوطن، ولا يسمح للمندسين في اقتحام أصالتنا العربية، ولا يسمح بتمزيق القضية الفلسطينية بين نشمي وفدائي ومقاوم، فنحن عرب، ربنا الله، ونبينا محمد، وأرض فلسطين تخصنا جميعًا دون استثناء، وواجب مواجهة أعداء الأمة أمانة في أعناق كل النشامى والفدائيين والمقاومين.