هل يلهث الصهاينة إلى التطبيع من أجل التطبيع؟

لا أجافي الحقيقة لو قلت: إن التطبيع السري مع الصهاينة كان قائمًا منذ زمن بعيد، منذ الاعتراف بقرارات الأمم المتحدة التي اعترفت بـ(إسرائيل)، ومنذ سنوات الهدنة الطويلة، والتطبيع قائم مع كثير من الأنظمة بالتنسيق والتعاون الأمني، وحفظ الأمن على الحدود، وإلقاء القبض على المقاومين، وبالحيلولة دون تشكيل أي تنظيم معادٍ للصهاينة، والتطبيع قائم بالاتفاقيات الموقعة مع بعض الأنظمة، والتفاهمات القائمة مع البعض الآخر.

ما تشهده الساحة العربية هذه الأيام يعكس مرحلة جديدة من التعاون مع العدو الإسرائيلي، مرحلة تتجاوز مفهوم العلاقات الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول، وهذه العلاقة لا تقدم لـ(إسرائيل) قوة أمنية إضافية، بمقدار ما تقدم لها حضورًا سياسيًّا في القرار العربي. فـ(إسرائيل) في غنى عن سلاح الدول العربية، ولا حاجة لها للصناعات العربية، فأمريكا تقدم لـ(إسرائيل) ما تشتهي من مليارات الدولارات، وأحدث أنواع التكنولوجيا، بل إن المستجدات الأمنية لتؤكد أن الأنظمة العربية هي التي تحتاج إلى مال (إسرائيل) وسلاحها وأمنها الذي تغلغل في مفاصلهم.

ولا معنى للتطبيع من وجهة نظر (إسرائيل) إن لم تكُن مكونًا أساسيًّا لرغيف الخبز الذي تأكله الشعوب العربية، ومكملًا غذائيًّا لا تستغني عنه الأنظمة، بل تعمل (إسرائيل) لكي تكون هي الناظم الوحيد للعلاقة بين البلاد العربية نفسها، وحبل المسبحة الذي تلتصق به كل الحبات، التي سينفرط عقدها لو انقطع الحبل، إنها تهدف إلى احتواء المنطقة تحت جناح جهاز الموساد، القادر على تشكيل الأحلاف العسكرية والإستراتيجية لمواجهة خطرين، كما تتحدث عن ذلك السياسية الإسرائيلية، الخطر الأول يتمثل في إيران، والخطر الثاني يتمثل في تركيا، ولا مناص للأنظمة العربية من وجهة النظر الإسرائيلية إلا الاحتماء بالقوة الإسرائيلية، والنفوذ الإسرائيلي.

ولما كانت الدول تفتش عن مصالحها الذاتية كما قال العاجزون، فإن مرحلة التفتيش عن المصالح وسط هذه الدوامة، هي مرحلة التحلل من القيم الإنسانية، والتنصل من القضايا القومية التي تهم الأمة، وتكمن فيها مصالحها، وهذا ما أكده الواقع الاقتصادي لمصر، التي غرقت في الديون -كما يقول الاقتصاديون- حين فتشت عن مصالحها، وتجاهلت مصالح الأمة، وقد غرق الأردن في البحر المالح، وهو يفتش عن مصالحه في شربة ماء من كأس الكيان الصهيوني، فكانت اتفاقية الماء مقابل الكهرباء أكذوبة اقتصادية، لم يصدقها الشعب الأردني، فهو يعرف بالخبرة أن لدى (إسرائيل) خزانات للطاقة الشمسية تمتد من بئر السبع وحتى العقبة، وكان بإمكان (إسرائيل) أن تقيم مزارع الطاقة الشمية هناك، ولكنها أبت إلا أن تكون في الأردن، كي تعزز من مفهوم السلام الاقتصادي، الذي تعتمده السياسة الإسرائيلية في إلقاء القبض على المنطقة كلها، فكان التوقيع على الاتفاق بدعم الإمارات المالي ورعاية أمريكا.

إن مصلحة الشعب الأردني بالمياه المحلاة على البحر المتوسط لا تختلف كثيرًا عن مصلحة عمال الضفة الغربية وغزة بالعمل في المصانع الإسرائيلية، والورش والمزارع داخل المستوطنات، حتى صار الحصول على تصريح عمل في (إسرائيل) انتصارًا كبيرًا.

لقد نجحت السياسة الإسرائيلية حتى اللحظة في تمرير مفهوم السلام الاقتصادي، وفي بسط نفوذ السلام الأمني، وما كان هذا الانتصار الإسرائيلي ليتحقق لولا توفر الأرض الناعمة التي هيَّأتها قيادة منظمة التحرير باتفاقية أوسلو، وهي تمهد الأرض بمحراث التنسيق والتعاون الأمني، الذي ضمن الازدهار للاقتصاد الإسرائيلي، فتمددت الأطماع إلى خارج حدود فلسطين، وفي هذا المضمار فإن الهدوء مع غزة لم يعد مطلبًا إسرائيليًا، ولا مصلحة أمنية فقط، الهدوء مع غزة أضحى مطلبًا أمريكيًا، يسهم في تمرير المخططات إلى أبعد مدى من حدود قطاع غزة.

فهل ستواصل (إسرائيل) تمددها الآمن؟ وهل ستواصل الأنظمة العربية انكماشها الهزيل؟

حتى اللحظة، فإن ما يظهر على السطح يقول: نعم، ولكن ما يتأجج تحت السطح براكينُ، ستجعل ما فوق السطح هشيمًا تذروه الرياح.