محاولة إسرائيلية لتعويض الفشل في وقف

أما وقد انطلقت مفاوضات الملف النووي الإيراني بين إيران والقوى والعظمى في فيينا، فقد أخفق الاحتلال في أول أهدافه المتمثلة في منع تجديد هذه المفاوضات، بزعم أنها تمنح طهران هامشًا زمنيًّا لكسب مزيد من الوقت، لتحسين قدراتها النووية، وتحسين شروطها التفاوضية، والحصول على تنازلات غربية لرفع جزء من العقوبات عنها، ما يحقق لها انتعاشًا -ولو نسبيًّا- في اقتصادها المتضرر كثيرًا.

بذلت الماكنة الدبلوماسية الإسرائيلية جهودًا حثيثة، وحراكًا ماراثونيًّا، إقليميًّا ودوليًّا، للحيلولة دون انطلاق هذه المفاوضات، وسط خشية لا تخفيها أن تعيد إدارة بايدن السياسة ذاتها التي اتبعها سلفه أوباما حين أنجز الاتفاق النووي مع طهران في 2015، ما تسبب حينها في أزمة بين (تل أبيب) وواشنطن، ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، لا سيما مع الديمقراطيين.

صحيح أن مياهًا كثيرة جرت تحت الجسر بين عامي 2015 و2021، لكن التخوفات الإسرائيلية ما زالت على حالها، وربما زادت، رغم نجاحها في إقناع ترامب في حينه بالانسحاب من الاتفاق النووي، في ضوء تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، والأمر لم يعد مقتصرًا على القدرات النووية، بل تعداها إلى الإمكانات التسلحية، خاصة الصاروخية الدقيقة، التي تشكل مصدر قلق إسرائيلي جديًّا، إلى الدرجة التي دفعت المبعوثين الإسرائيليين إلى العواصم الغربية للطلب منها أن تشمل المفاوضات الحديث عن كبح جماح التطلعات الإيرانية لحيازة أكبر قدر من القدرات الصاروخية العسكرية.

المرحلة الثانية المتوقعة من الاحتلال بعد إخفاقه في عدم إطلاق عجلة المفاوضات تتمثل في إعاقة سيرها على الأرض، بممارسة مزيد من الضغوط على إيران وحلفائها في المنطقة، وقد يتجلى ذلك في استئناف الضربات العسكرية والهجمات الأمنية على الأهداف الإيرانية، داخل طهران وخارجها، ما قد يستدعي ردًّا إيرانيًّا، وتدحرجًا للأمور على الأرض في المنطقة، الأمر الذي قد يساهم -وفق التصور الإسرائيلي- في تجميد المفاوضات إلى أجل ما، ريثما هدوء التوتر الناشئ في المنطقة بسبب تبادل الهجمات الإيرانية والإسرائيلية.

لا تملك دولة الاحتلال ضمانات أكيدة بموجبها قد تستطيع إفشال المفاوضات النووية بين إيران والقوى العظمى، مع ما تتبناه إدارة بايدن من رغبة واضحة في الوصول إلى اتفاق مع طهران بشأن برنامجها النووي، صحيح أن واشنطن سترخي مسامعها لمطالب (إسرائيل)، على الأقل لتهدئة روعها، والتخفيف من حدة مخاوفها، لكن ذلك لا يعني الاستجابة الكاملة لشروطها التي فرضتها على إدارة ترامب في حينه.

الأيام القادمة من المتوقع أن تحمل كثيرًا من التطورات الإسرائيلية على صعيد ملف المفاوضات النووية بين إيران والقوى العظمى، سواء أكانت سياسية دبلوماسية وإعلامية، أم كانت عسكرية وميدانية على الأرض، لا سيما في ضوء تزايد التقديرات الإسرائيلية بشأن العد التنازلي الإيراني لدخول النادي النووي.