متكئًا على إرادته يحافظ "حسام" على دورة حياته نشطة

...
غزة/ هدى الدلو:

ينهمك حسام جربوع داخل مصنعه الصغير في رص قوالب البلاط استعدادًا لسكب الأسمنت بداخلها، مرتكزًا على عكازه بعدما فقد ساقه اليسرى قبل عدة أعوام في إثر طلق ناري إسرائيلي متفجر.

والبلاط الذي يصنعه جربوع مخصص للطرقات والحدائق المنزلية، ويحاول بالاتكاء على ساعديه الحفاظ على دورة حياته نشطة يملؤها بإرادة غرست في قلبه مذ علم بتر ساقه.

جربوع الذي يبلغ من العمر (29) عامًا من سكان مدينة رفح الواقعة جنوبي قطاع غزة، حاصل على الشهادة الجامعية الأولى في الإدارة الصحية، ودبلوم في السكرتارية الدولية، وآخر مهني في الطاقة الشمسية، إلى جانب أنه حرفته التي تعلمها صغيرًا.

هب لنصرة القدس والأقصى على الحدود الشرقية لقطاع غزة، إذ استفزته حادثة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، يقول لصحيفة "فلسطين": "كيف لي أن أقف مكتوف اليدين ولا أفعل شيئًا تجاههما؟! في أثناء مشاركتي أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي طلقة نارية صوب أحد الشباب، فدون تفكير هرعت إلى إسعافه من منطلق الإنسانية والوطنية، فهو أقل واجب يمكن فعله لابن شعبي".

ويضيف جربوع: "في أثناء إسعافه أطلقوا رصاصة متفجرة صوب جسدي ليتوقف بالكامل، آخر لحظة أذكرها في ذلك كانت في أثناء إدخالي في سيارة الإسعاف، مكثت في العناية المركزة غائبًا عن الوعي مدة ثلاثة أشهر".

استيقظ من غيبوبته يتجمع من حوله الأهل والأصدقاء، يحاولون إخباره بوضعه الصحي وبتر الأطباء ساقه اليسرى في إثر عدم تمكنهم من إنقاذها، يعلق: "صدمت وسقطت من عيني دمعة واحدة ثم أرخى الله الصبر على قلبي، فقلت لهم: فدا الوطن والقدس والأقصى، لقد سبقتني إلى الجنة".

ويوضح جربوع أن إصابته جعلته أكثر انفتاحًا واختلاطًا بفئات متعددة المعاناة، أيضًا بات حضوره الاجتماعي ملموسًا، وأضحى ناشطًا في الجمعيات التي تخص ذوي الإعاقة.

سر مفقود وطموح

ورغم إصابته لم يتنازل جربوع عن عمله المهني الذي دخل به سوق العمل حتى قبل التحاقه بالجامعة، وبعد تخرجه أيضًا إذ لم يحظَ بأي فرصة عمل، لكنه اختلف بعض الشيء إذ حاول ممارسته بأسلوب جديد، فبدلًا من عمله في تبليط الشقق لجأ إلى تطبيق فكرة تصنيع بلاط "إنترلوك".

ويذكر جربوع أنه كان يلفت نظره في الحدائق، وسأل بعض المصانع الخاصة به عن كيفية صناعته، لكن لا أحد أعطاه سره، ليعكف على البحث في مواقع الإنترنت، استطاع تجميع بعض المعلومات عن المواد المستخدمة وكيفية صناعته، وبعد تجارب عدة وخسارة ما يقارب ثلاثة أرباع رأس المال وصل إلى منتج نهائي بطريقة يدوية.

وبغض النظر عن الوقت المستغرق والجهد المبذول يبيع بأقل الأسعار وبالجودة ذاتها المطروحة في الأسواق، كما يقول، ويشير إلى أن هذه الصناعة من البلاط تحتاج إلى توفير قوالب جديدة لتطوير فكرته، وإنتاج البلاط بطريقة ثلاثية الأبعاد، ويحتاج إلى خلاط أوتوماتيك، وبعض الآلات الخاصة.

ويلفت جربوع إلى أنه رفض ترك مهنة التبليط التي تعلمها منذ صغره رغم العناء الذي يتكبده جسده، إذ الركون والجلوس في البيت سيتسببان له بحالة من الخمول ليجتاحه المرض، مؤكدًا أن إصابته لم تقتل فيه الحياة والأمل، وهي دفعة لذوي الإعاقة للاستمرار في الحياة.

ويحلم بعد انخراطه في أوضاع ذوي الإعاقة ومشاكلهم واطلاعه على ظروفهم واحتياجاتهم أن يتمكن من مساعدتهم إلى جانب الفئات المهمشة في المجتمع، آملًا من الجهات الداعمة للمشاريع الريادية أن تقدم له الدعم والمساندة ليستمر في مشروعه، والوقوف على قدمه.