المجاهد وصفي قبها مهندس للكرامة والحريَّة

ازدانت صفحات التواصل الاجتماعي بصورة الفقيد وامتلأت بالنشرات التي قامت بتعداد مناقب الفقيد، ولا شكّ فإنّ نشاطه الدؤوب ومواقفه القوية العالية لا تخفى على أحد، لكن هناك جانبان مهمّان، الأوّل منهما هو هذا الجانب القلبي الروحي الإنساني الشفاف المنير الذي يعكس ما بداخله من جمال بهيّ وروعة فريدة وتعكس معدنه الغنيّ وما يسكن جنبيه من عوالم باهرة وإيمان راسخ عميق، رأيته في أكثر من موقف مؤثر وهو يتابع الأسرى في خندق متقدم كيف يحاول إخفاء دمعته.

أمّا الثاني وهو تفعيل دراسته الهندسية في هندسة الكرامة والحرية، كان بإمكانه أن يبقى في مكتبه الهندسي ويسهم في عمارة البلد، يقيم في بيته مع أبنائه وبنيه عاكفا على رفاههم بهدوء وسلام ورغد العيش، ولكنه يحمل في صدره قضية عظيمة آمن بها وتشرّبتها روحه بكل تفاصيلها، نزلت القدس في أعماق قلبه وحفرت لها مكانا عميقا فيه، أشعل إيمانه بربّ عظيم وقضية بهذا الحجم الكبير فتيل إرادته، فتحولت إلى طاقة روحية جعلت منه ثورة كاملة الأركان في رجل، اختار طريق الصادقين الربانيين الذي انحاز فيها إلى نصرة المظلومين والوقوف في وجه الطغاة ومقارعة المستكبرين، وكان عنده الاستعداد التام لدفع الثمن ولقد دفع كثيرا من عمره خلف القضبان أسيرا ومطاردا من قبل القريب والبعيد دون أن تلين له قناة أو يتراجع قيد أنملة.

لقد أراد أن يكون مهندسا للحرية، يقيم أساساتها ويعلي من بنيانها ويحسن الإشراف عليها حتى تستوي على سوقها رغم كل الظروف العاتية التي تحول بينه وبين هذه الهندسة، رغم أنف كلّ من أرادوا لهذا الشعب أن تترسّخ في أعماقه طبائع الاستبداد وأن يتخلوا عن هذه القيمة العظيمة، حرية الناس وحريّة أوطانهم، لم يكتفِ فقيدنا بالتخطيط والإشراف عن بعد، بل نزل إلى الميدان واشتغل مع عامة الناس وبسطائهم، داعيا ومنافحا وصارخا وحاديا وعاليا لشأن الحرية في صدور الناس.

ولقد أراد أن يكون مهندسا لحركة التغيير، فكان شعلة متّقدة، متحرّكا بهذا الإيمان العميق، دؤوبا لا يتوانى لحظة عن نصرة ما تفرّع عمّا يحمل في صدره من هموم عامة لا تتوقّف ما دام الاحتلال جاثما على صدورنا. لا يفكّر ثانية واحدة ولا يتردّد إذا تناهى إلى سمعه أنين مقهور قد طاله سوط جلّاد أن يقف معه وينحاز إليه، يعرّض نفسه للسّياط طواعية ولا يسبقه أحد في رفضه المطلق للظلم والظالمين.

باختصار لقد نجح نجاحا باهرا في هندسة نموذج بالفعل ومثال يحتذى به لكل من ولدتهم أمهاتهم أحرارا وقرّروا أن يحافظوا على هذه الحرية، ولكل من أرادوا الكرامة لهم ولشعبهم ولكلّ من انحازوا بكليّتهم إلى هذه القدس وفلسطين.

لله درّك أبا أسامة، ما أعظم روحك وما أوسع قلبك وما أدقّ وجيب نبضك وما أرفع خلقك، وما أطيب شذاك!

الطيبات بانتظارك أيها الطيّب، طيبات رب غفور رحيم ودود لطيف متلوّعة للقائك الآن.

نشهد أنّك قد كنت من الصادقين صدقت ما عاهدت الله عليه، فهنيئا لك، فها هم شهداء الله على خلقه يشهدون لك، طوبى لك في الخالدين عند أرحم الراحمين.