رئيس الموساد.. "من أول غزواته كسر عصاته"

لم يمضِ نصف عام فقط على تعيين ديفيد برنياع في رئاسة جهاز الموساد حتى أحدث زلزالا داخليا تسبب باستقالة ثلاثة من قادته، بزعم أن خططه التي قدمها للإقرار والمصادقة لم تحظَ برضاهم، وهناك من رأى أن هذه الأسباب ليست سوى قمة جبل الجليد، لأن الدوافع الحقيقية لاستقالتهم تكمن في خسارتهم منصب نائب برنياع، ما أوجد بداية غير مشجعة للعمل معاً، وهو ديدن الكثير من المواقع القيادية التي يرغب فيها كثير من القادة تعيين "المفضل" وليس "الأفضل" لتسلم المهام الحساسة.

تشكل هذه الاستقالات المبكرة مناسبة لتقديم لمحة مهمة لإبداء طبيعة تقلد المناصب في الموساد وبقية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته فإن المميزات الفاقعة لكبار قادة الأمن والجنرالات الإسرائيليين تعبير صارخ عن النقص الحاصل في صلب عملهم.

وعلى الرغم من أن الموساد من أكثر الأجهزة الأمنية المشغولة في العالم، واكتسب فاعليته بصورة يومية، بجانب الخلفية النظرية، وبناء على أبحاث يتمّ إجراؤها، وعصف فكري يحدث داخل أروقته، لكن ذلك لم يحل دون ظهور أمراض شخصية، وأزمات قيادية بين كبار مسئوليه على خلفيات ليست مهنية البتة، ربما لأن التدرج في المواقع المختلفة داخل الموساد لم يؤهلهم بالقدر الكافي ليكونوا مؤهلين لإدارة الجهاز كله.

مع العلم أن المناصب القيادية التي تعدّ في أجهزة أمنية أخرى غير الموساد العمود الفقري للتأهيل العسكري لكبار الضباط، لكنها قد تعدّ في نظر الأخير مجرد تضييع وقت في طريق الوصول للمنصب القيادي القادم، بدليل أن معظمهم يتم تعيينهم في مواقع محببة إليهم في بعض الشُّعب والوحدات الحساسة، وبسرعة ملفتة يتحولون لذوي مكانة عالية في أوساط الجهاز.

هذا لا ينفي وجود مؤهلات شخصية لدى العديد من قادة الموساد، ولاسيما في العقود الأولى، وتحديدا قبل ظهور عهد يوسي كوهين، الذي امتاز بالاستعراض الشخصي والتفاخر الإعلامي، في سلوك مختلف كليا عما دأب عليه أسلافه السابقون الذين اعتمدوا السرية المطلقة، والغموض الكامل أمام بقية أجهزة العالم الأمنية.

ليس المقصود بإيراد هذه الأمثلة الاستهتار بالقدرات التي يبديها قادة الموساد، وغض الطرف عن إنجازاتهم في الميدان، لكنه يدل دلالة دامغة، وفي الوقت ذاته محرجة، على سرعة الانتقال من منصب قيادي في الجهاز إلى منصب أعلى منه بصورة ملحوظة، دون المرور بتأهيل يتناسب مع هذا الترفيع والترقية في مواقعه المتقدمة، هذه الأمور متعلقة بالتأكيد بتعريف القيادة الأمنية.

ولذلك ليس غريباً أن يتفاجأ المرء بأن العديد من ضباط الموساد، بمن فيهم البارزون، يجدون "صعوبة" في إلقاء محاضرة، وعدد غير قليل منهم يستصعبون الظهور أمام وسائل الإعلام، ومعظم من يتقنون هذه المهام يؤدونها انطلاقاً من قدرات تأهيلية شخصية فطرية فقط.