المضربون يعيدون للثورة فرصتها من جديد

حيران: أذكر سيدي عندما أضرب سجن هدريم وتبعته بقية السجون عام ألفين انطلقت انتفاضة سميت انتفاضة الأسرى، وكانت انتفاضة هادرة قوية فعلت فعلها وجعلت الاحتلال يعيد حساباته مع أسرانا المضربين ويستجيب لمعظم مطالبهم، وكان ذاك الإضراب من أنجح الإضرابات، لماذا اليوم يصل المضرب إلى هذا الرقم القياسي المرعب دون أن يتحرَّك شعبنا الحركة المطلوبة؟

نبهان: هناك متغيرات كثيرة، أنت تتحدّث عن عقدين من الزمن اشتغل كثيرًا على شعبنا، هناك تغيير ثقافي كبير، تغيير في سلّم الأولويات والاهتمامات، قطاع الشباب يعيش حالة من الضياع والسحق الاقتصادي والاجتماعي، إذ إن الخريج الجامعي بالكاد يجد عملا يسدّ رمقه، القبضة الأمنية على الأعناق والأرزاق شديدة، كلّ من يفكّر في الهم العام يجد العصا أمامه، الثقة تراجعت كثيرا بفصائل العمل الوطني وشبابنا يرون القيادات في الصف المتأخر فبدل أن يتقدّموا الصفوف تجد الشارع قد تجاوزهم وتقدّم عليهم، لا يرونهم الناس إلا أمام الكاميرات وعند التصريحات الرنّانة، ظاهرة صوتية بلا فعل ولا خروج عن رتابة ما ألفوه، قد ملّهم الناس، وأصبح الناس كالابل الشاردة دون راعٍ يقودها ولا برنامج وطني ولا خطة ولا هدف ولا وحدة، الانقسام يضرب أطنابه ويفسد اجتماع الناس على هم الوطن ومشروعه الكبير.

حيران: وكأنك تقودني إلى اليأس من الحال وقطع الأمل من قدرة شعبنا على استنهاض الهمم وعودة الروح الثورية العالية التي سادت سابقا وأنتجت انتفاضة الحجارة ثم انتفاضة الأقصى وهبّة القدس وبوابات الأقصى وسيف القدس، إلخ.

نبهان: أبدًا ما هذا قصدت، ولكني قارنت بين أحوالنا في إضراب عام ألفين وانتفاضة الأسرى، تراجع نودّ تفسيره لوضع اليد على الجرح ونعرف أين الخلل لنرى إمكانية إصلاحه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

حيران: أعلم أن التراجع كبير والتغيرات كثيرة فهل قد اتسع الخرق على الراتق ولم يعد بالإمكان إعادة البوصلة إلى حيث نريد.

نبهان: نحن قوم لا نفقد الأمل ولكن في نفس الوقت نؤمن بالعمل ومهما كانت أوضاعنا فلا بدّ من أن يكون هناك مخرج.

حيران: إننا أمام من هم على حافة الموت وفي الرمق الأخير، لا تقل لي عن خطط إستراتيجية بعيدة المدى، نريد خطة طوارئ تنقذ سريعًا.

نبهان: بالتأكيد وهذه منوطة برقبة من يملك صناعة القرار، من يملك أتباعا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. ماذا هم فاعلون؟ هل ينتظرون أن يبادر الشارع والحراك الشبابي مثلا حتى اذا ارتفع الموج ركبوه؟

حيران: هم بالمناسبة يجيدون ركوب الموجة، تراهم يتعلّقون بها ويتصدّرون أمرها.

نبهان: ما علينا الآن إلا أن ندعوهم إلى أن يكونوا على قدر مسئولياتهم فيصدروا القرارات التي تليق بتاريخ نضالاتهم ونضالات حركاتهم، ما يفي بدماء شهدائهم والتجاوب مع نبض أسراهم.

حيران: بالفعل لو كان الأمر تنافسيا أو صندوق انتخاب لنقابة أو بلدية لحشد كل حزب أتباعه ومؤيديه، لماذا ينظرون إلى هذا الإضراب وكأن الأمر لا يعدو عن إسقاط الواجب والتذرّع بسلبية الواقع؟

نبهان: نحن بأيدينا صنعنا هذا الواقع وهو نتاج تراكمات مرّرناها بعجز وصمت وخور، والآن فرصة أمامنا أن قد فتحها لنا هؤلاء الأبطال لنمضي قدمًا نحو رفع مستوى المنسوب الثوري في ثقافة شعبنا، وإن نصرة المظلوم والاشتباك مع هذا المحتل الغاشم من أبجديات ديننا وقضيتنا وبديهيات وجودنا على هذه الأرض المباركة. الحَراك الآن هو فرصة وعودة للروح الفلسطينية العالية الجميلة التي تعطي وتضحِّي وتسير للأمام قدمًا.

حيران: سرعان سامع هذا الكلام ما يقول إنّ هذا مجرّد شعارات وإنشاءات لغوية جميلة؟

نبهان: اهتبال الفرص يحوّل الشعار إلى ميدان الفعل، وهؤلاء الأبطال المضربون لا يصدّرون شعارات بل أفعال تشارك بها كل خلايا أجسامهم، خلايا عقولهم الفذّة وخلايا أعصابهم وأمعائهم ودعائم إراداتهم، لقد ضربوا أعظم المثل وفتحوا للناس فرصة الأمل، فهل نهتبل هذه الفرصة ولا تضيع قياداتنا المرة تلو الأخرى هذه الفرص التاريخية العظيمة؟