من "بايكة" قديمة إلى متحف يجمع 4 آلاف قطعة

متحف "القرارة".. مقتنيات أثرية وتراثية تحافظ على الموروث الثقافي الفلسطيني

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

بمنطقة القرارة شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لا يتوقف صوت أقدام الزوار المتجهة إلى "متحف القرارة" بعد افتتاحه قبل عدة أيام، أصوات الأعراس التراثية أيضًا بدأت تنبعث من خلف حجارته القديمة، سيكتشف كل من دخل من بوابة المتحف الخشبية القديمة أنه دخل إلى أعماق تاريخ الحضارات المتعاقبة على فلسطين على مدار آلاف السنين، قبل أن يمر على حياة الآباء والأجداد قبل 100 عامٍ، في مكان يجمع بين التراث والآثار.

من حجارة جدرانه الرملية القديمة التي بقيت شاهدة على تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه، تفوح رائحة الماضي وعبق التاريخ، يسافر الزائر إلى حقب تاريخية وأزمنة مختلفة بعدما يمر من باب المدخل الخشبي التراثي البني، الذي يعمل حتى اليوم بمفتاحٍ قديم (زرفيل) ويعود لعام 1936 في حياة الحاج حمتو الأغا الذي سكن الباكية قبل أن تتحول لمتحف على مساحة أربعمئة متر.

بعد الباب، يشدك في الساحة الخارجة (الفناء) فسيفساء وحجارة قديمة أثرية وأعمدة رخامية وأحجار البازلت ومطاحن القمح والشعير، وأحواض التعميد للأطفال، والجرن والقواعد والتيجان، تتوقف عند سدة تابوت قبر روماني حجري، تتوزع هذه الأشكال بشكل متناسق على زوايا ساحة الفناء وعلى ضفتي ممر يسحبك من مدخل الفناء إلى مبنى البايكة القديم، الذي تحول حاليا إلى دار تقام فيها عروض وأنشطة تراثية وثقافية.

من مدخل آخر، ينتهي بك المطاف إلى بايكة ثانية تابعة للمتحف، تمتد على مساحة ثلاثمئة مترٍ مربعٍ، تضم مبنى مكونًا من طابقين، تزينها الحجارة الرملية القديمة المطلية بالأسمنت الأبيض، فيصبح شكلها كالحجر الجيري القديم، نوافذها الخشبية التي طُليت بالأخضر الخافت يعطيها رونقًا جميلا.

عبر باب زجاجي تدخل إلى ثلاث قاعات بها صناديق زجاجية تلمع من داخلها قطع جرانيت وبازلت، إضافة إلى تمثال يوناني يتجاوز عمره ألفي سنة، منحوت من الرخام، وهو عبارة عن جسد ملكة منحوت بدقة مدهشة، كذلك تضم الصناديق صخورا، وآواني فخارية، وعملات نقدية قديمة.

هذا الإبريق النحاسي بجسمه المستدير وعنقه الأسطواني، ذو غطاء ومقبض (حامل)، يزدان بلمسات فنية ونقوش فريدة، تتراص العشرات منه بأحجام مختلفة على رفوف خشبية في القسم التراثي في الطابق العلوي من المتحف الذي يكتظ بتشكيلة كبيرة جدًّا ومتنوعة من الأدوات المنزلية والنحاسية والحديدية، تشكل فسيفساء جميلة للحياة اليومية بالمدن الفلسطينية قديمًا.

على أحد الجدران تلتصق بقاعدة خشبية، أدوات حدادة وزراعية ومنزلية قديمة باتت منقرضة كالسكين والمطرقة والمقدح، وفي زاوية أخرى عُلِّقت أثواب فلسطينية تراثية تعكس أصالة المرأة الفلسطينية في التطريز، وتستوقف الزائر قدر نحاسية وأطباق تراثية وآلات خياطة ومكاوٍ معدنية.

تتيح الساحة الخارجية نصب خيمة شعر لأوقات المناسبات الوطنية، فتكون مسرحا تصدح فيه حناجر الشعراء وتعزف الأهازيج والأغاني التراثية القديمة.

جولة استكشافية

بعد أن اصطحب الفنان محمد أبو لحية (30 عامًا) صحيفة "فلسطين" بجولة تعريفية عن المكان، عادت به الذاكرة خمس سنوات للوراء حينما كان "متحف القرارة" فكرةً تبنتها معه زوجته الفنانة نجلاء أبو نحلة وساعدته في تحويلها واقعًا.

يقول: "بداية كان صعبًا إيجاد مكان يحتضن المقتنيات التي كنا نجمعها، لكن بعدما كبرت الفكرة احتضن بيت زميل لنا ما جمعناه، فاستأجرنا الباكية التي تعود لحياة المرحوم جابر الأغا لعام 1958م ومن ثم البايكة المجاورة لها".

لكن فكرة المتحف نبعت من إدراك محمد أن "القرارة" تضم معالم تاريخية ومواقع قديمة تحتاج للمحافظة عليها، وفي طريق بحثه وتجوله على مدار سنوات عثر على أوانٍ فخارية وأباريق، وقطع أثرية وتراثية، ما جعله يحفظها ويهتم بها من خلال الاقتناء، فوصل عدد القطع التي جمعها عام 2016 إلى ألفي قطعة.

وهكذا تحولت البايكة التي كانت مخزنًا قديمًا للأعلاف، إلى مكان تراثي، يتوقف محمد الذي درس الفنون الجميلة عندها: "رممناه وقسمناه إلى عدة زوايا، بحيث وزعت المقتنيات وجمعنا الآن قرابة 4000 قطعة على مدار خمس سنوات".

مؤسسة ثقافية

بات المتحف مؤسسة تستقبل أنشطة ثقافية وفعاليات تحيي مناسبات وطنية وتراثية، في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أعيد افتتاحه، وهو يستقبل الزوار بشكل شبه يومي، أطلقت بلدية القرارة اسم شارع "المتحف" على الطريق المؤدي إليه، مشيرا إلى وجود تعاون "مع وزارة السياحة والتراث في توثيق القطع التراثية والأثرية وأرشفتها في سجل وطني، لكونها تعد ملكًا عامًّا يبرز هوية الشعب الفلسطيني والحضارات المتعاقبة عليه".

صوت الفخر ينبعث من محمد بعد هذا النجاح: "سعيد أننا حفظنا المقتنيات التراثية والأثرية في هذا المتحف الوطني الذي أصبح مزارا لأبناء قطاع غزة من بيت لاهيا حتى رفح".

في أحد زوايا المتحف، وبداخل ثلاثة صناديق زجاجية تتوقف أمام مانيكان (دمية عرض ملابس) ترتدي قمبازًا (ثوبًا) تراثيًا فلسطينيًا بالعقال والشالة، وفي الصندوق الأوسط زير (قربة) فخارية، وهي آنية أسطوانية تتسع في وسطها، وتضيق قاعدتها، لها عنق دائري أطول من عنق الجرة كبيرة، وهي تستخدم لتخزين المياه بالعهد الروماني، جمعه محمد متكسرًا ورمم أجزاءه حتى عادت إليه حلته القديمة، وفي الصندوق الثالث تلمح ثوبًا تراثيًا.