في محالّ "البالة" بغزة.. الفقير والغني يجدان ضالتهم

...
تصوير/ محمود أبو حصيرة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

أخيرًا.. عثرت أسماء على ثلاث قبعات صوفية للأطفال في محل للملابس المستعملة استعدادًا لاستقبال فصل الشتاء.

أسماء في منتصف العشرينيات من عمرها، دفعها كلام شقيقاتها وصديقاتها إلى القدوم للمرة الثانية لمحال "البالة" كما يدرج الوصف على لسان عامة الناس، أو محال "الماركات العالمية المستعملة" كما يفضل أصحاب تلك المحال تسميتها.

تحدق إلى ملابس الأطفال المتدلية شكل جميل من سقف المحل؛ علّها تعثر على شيءٍ غريب، قبل أن تدخل في أجواء الحديث لـ "فلسطين" عن سبب تفضيلها القدوم إلى محال الملابس المستعملة: "هذه جولتي الثانية هنا، خاصة أنني عانيت بسبب الملابس المستوردة، فترتديها مرة أو مرتين ثم تتلف، تشعر أنك ترتديها منذ سنوات، وقد لمستُ في هذا المحل جودة المنتج والسعر المتدني".

بحث عن الماركات

في الطابق العلوي من المحل الذي يقع على مفرق شارعي النصر والوحدة، لم يكن مظهر أحمد غزالي يدل على أنه يرتدي ملابس مستعملة، وبدا في كامل أناقته، في حين كان يتفقد بنطالاً أسود غريبًا وهو يمسك طرفيه بيديه من الأعلى.

السعر ليس له أي اعتبار عند قدوم أحمد لهذه المحال، يقول بعدما أعاد البنطال لمكانه: "منذ سنوات طويلة آتي إلى هنا، ومعظم ملابسي هي من الماركات العالمية".

ويرى أحمد أن هذه المحال توفر قطعًا لا تتوافر في السوق، إلى جانب جودة الأقمشة التي تصنع منها الملابس، بدلا من شراء ملابس مستوردة بسعر غالٍ، وبعد مدة تفقد ألوانها أو تترهل نتيجة الغسل أو يملؤها الوبر.

بين الباحثين عن الماركات العالمية، والأسعار المنخفضة تجمع محال البالة الغني والفقير في آن ومكان واحدٍ، وهذه المشاريع بدأت تتسع في قطاع غزة وتفتح أبوابها في مناطق تجارية ترتفع فيها قيمة الإيجار السنوي.

في المحل ذاته، تحتل الملابس النسائية الشتوية الطابق السفلي بالكامل، تبدو قطع الملابس المعروضة على درجة جيدة من الجودة من ناحية المظهر وثبات الألوان ونوع الأقمشة المستخدمة، كما يوجد ركن خاص بالأطفال.

يقر أصحاب المعرض بأن الخامات التي تعرض في هذه المنطقة المرموقة بمدينة غزة هي من النخب المستعمل الأول، في حين توجد مستويات أقل جودة من الدرجة الثالثة والخامسة تخصص لأسواق وأماكن شعبية تباع بأسعار أقل.

قبل أيام أعلن المعرض عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، تنزيل بضائع شتوية جديدة، ليمتلئ المحل بالزبائن، و"كأنه يوم عيد".. بهذا وصف أحد العمال المشهد في حين كان يرتب الملابس، مقرًّا بجودتها.

ويضيف: "يدخل إلى محلنا الفقير والغني، الكل يشتري، فنرضي الجميع ونتنازل بالأسعار، لدينا قطع بسعر 5 شواقل، و10 وأكثر حسب جودتها".

خلال وجودنا، انتقت سيدة قطعًا عدة، بلغ ثمنها 70 شيقلا، لكنه وافق على طلبها بشرائها بسعر 40 شيقلا.

حزم مضغوطة

في المعرض ذاته، يوجد ماركات عالمية مشهورة مثل بولو، اسكتشر، زارا، كاستروا، أندار، نايك، بوما، أديداس، فوكس، لاكوست، سكيتشرز.

ترجع أصل تسمية سوق الملابس المستعملة بـ "البالة"، لأن الملابس المستعملة عادة تُستورد في شكل بالات أو حزم مضغوطة، تباع بالوزن وليس بالقطعة.

في منطقة الرمال بمدينة غزة، وسط محالّ تفتح أبوابها للملابس المستوردة، يوجد ثلاثة معارض للملابس المستعملة تفتح أبوابها على مساحة 150 مترًا مربعًا.

داخل أحد المعارض الذي تبلغ مساحته 24 مترًا مربعًا، يجلس رامي على مكتبه يطالع بعض الأوراق، لافتًا إلى أن الملابس تمر بعدة مراحل قبل عرضها للزبائن.

يعددها لصحيفة "فلسطين": "تأتينا بنظام بالات (حزم) كبيرة مغلقة، وفيها بضائع ضعيفة وجيدة وممتازة، فنفرزها حسب الدرجة، أولى (الأفضل)، ثانية، ثالثة، وكل درجة لها مكانها التي تباع فيه وسعرها أيضًا، ثم نغسلها ونكويها ونعيد عرضها لتكون بهذا الرونق والجمال".

يقارن رامي بين البالة والمستورد، وهو يلقي نظرة عامة داخل محله: "هذه البضائع خامة القطن فيها سميكة وأصلية، أما المستورد الصيني فتكون نسبة القطن فيه ضئيلة، كذلك قماش الفوتر في البالة تكون ممتازة، إضافة إلى أن سعر القطعة مثلا 15 شيقلا أو 20 أو أقل، كذلك تتحمل الغسل المتكرر بخلاف الملابس الجديدة، وهذه القطعة في بلادها الأصلية تبلغ 200 و300 شيقل، تحمل أسماء ماركات عالمية لم نعرفها إلا من خلال الاستيراد".

ويقول إن أصحاب متاجر البالة كانوا يدفعون 2500 – 3000 شيقلًا مقابل كل طن من الملابس المستعملة، التي تأتي من خلال دولة الاحتلال، واليوم ارتفع السعر لنحو 4500 شيقل، كما يدفع التجار 400 شيقلًا ضريبة عن كل طن، في وقت لا يزيد الربح فيه على 20%، وفق قوله.

تكثر المنافسة بين تجار البالة هنا، لكن قوة البيع تحددها نوعية الملابس، فهناك تجار من غزة يذهبون لداخل الخط الأخضر، ويشاهدون البضائع أمامهم؛ وهذه الملابس تُستورد أيضًا من الدول الأوروبية.

ويربط العديد من مرتادي متاجر ملابس البالة بين زيادة الإقبال على هذه المحال، وتراجع القوة الشرائية بفعل محدودية الدخل وتراجعه في قطاع غزة، والذي لا يسمح للكثير من المواطنين بشراء ملابس جديدة لأبنائها، إذ تزيد نسبة الفقر على 80%، في حين تلامس نسبة البطالة حاجز الـ 65%.

عدم توفر مقاسات

لكن، من العيوب التي لمسناها بمحال البالة، عدم توفر مقاسات للملابس، مقارنة بالمستوردة؛ ما يجعل الكثيرين يعدلون عن قرار الشراء في حالات عديدة.

في سوق الشيخ رضوان، تنتقي أم محمد قطعًا عديدة أمام أحد محال البالة الذي أعلن عرضًا لبيع كل قطعة بسعر شيقل، تتسابق أيدي النساء هنا في التقاط قطع ثمينة، ولا تخفي أنها جاءت لهذا المحل بسبب سعر البيع المنخفض، لأن لديها خمسة أبناء ووضعها المعيشي صعب.

بجانبها تجلس سيدة تحمل نفس الكنية وسط كومة من الملابس ويحيط بالكومة ذاتها عدد من النساء، عدة قطع تتراص بقربها، بملامح قد ترك الفقر أثرًا فيها، تخبرك بسبب قدومها لهنا: "لدي أربعة أطفال وأريد كسوتهم للشتاء بملابس داخلية، بالنسبة لي العشرة شواقل مرتفعة لو أردت شراء أربع ترنقات من المستورد".

وما زال صاحب المحل وعماله ينادون على المارين "أي قطعة بشيقل".. كان النداء يستقبل الكثير من الزبائن حتى تزاحم المواطنون على أكوام الملابس التي فردها أمام المحل وفي داخله. عن سبب تخفيض السعر يقر لصحيفة "فلسطين": "منذ الصباح كنت أبيع القطعة الواحدة بثلاثة شواقل، لكن لم يأتِ أحد إلى داخل المحل، فنزلت السعر لشيقل واحد رغم أن في ذلك خسارة لنا".