الروائي حاج عمر يحصد "كتارا"

من غزة إلى سوريا.. "مدن الضجر" والنضال في متاهات الشرق

...
نادر منهل حاج عمر
غزة/ مريم الشوبكي:

حلمَ عبد الحليم بالسفر دائمًا خارج غزة، يقول لخالد: "انظر ماذا يجري في الخارج!"، يرد خالد: "... أنا مثل السمك، إذا خرجت من غزة سأموت!". يبدأ سفره إلى دمشق لتحقيق حلم والده بدراسة الهندسة، امتلأ بالحلم، فرحًا بحرية طارئة، قبل أن تتبدد سريعًا أوهامه، ويبدأ الفشل والخيبات.

في أوج انسجامه يفقد عبد الحليم أصدقاءه الثلاثة دفعة واحدة، حياة حب العمر، وجابر الصديق الذي لا يتكرر، ورقيَّة المرأة الظاهرة التي أحبها جابر، "من يجرؤ على البحث في حقول ألغام بلا خرائط؟ البحث عن ثلاثة أصدقاء كانوا عالمي الذي أحب، اختفوا دفعة واحدة، رقيّة كانت أقل اختفاء وأكثر ما يشعرني بقزامتي وعجزي، أثار اختفاء جابر حيرتي، لم يتصل كما وعدني، جابر لا يخلف وعوده".

النص السابق هو جزء من رواية "مدن الضجر"، الفائزة بجائزة "كتارا" للرواية العربية في دورتها السابعة، عن فئة الروايات المنشورة، وهي جائزة سنوية أطلقتها المؤسسة العامة للحي الثقافي في دولة قطر.

يأخذنا كاتب الرواية، نادر منهل حاج عمر اللاجئ إلى مخيم اليرموك بسوريا، في رحلة تبدأ من غزة وتجري أحداثها خارج الوطن في سوريا، ترتبط التفاصيل بين حكايا الوطن والحب، الرحيل والغياب في مشاهد تعاطي الحياة في الشرق، تستمر الأشواق، ويستمر الحب، ولا تنتهي عذابات الشرق.

ولد حاج عمر في عام 1962 بمخيم اليرموك، متزوج وله ابنتان وولد، مقيم حاليًّا في مدينة إيسن -الألمانية.

قطعة صغيرة

يحمل الكاتب شهادة الهندسة المدنية منذ عام 1984، عمل في وزارة السياحة السورية حتى نهاية عام 1992. وفي هذه الحقبة حصل على منحة دراسية إلى ألمانيا لمدة عام في المجال الاقتصادي.

وعمل إضافة إلى عمله في وزارة السياحة مدرسًا في المعاهد السياحية، وأصدر كتابين بالمشاركة في هذا المجال، ولم يتح للكتاب الثالث أن يرى النور وقد أحرق في حادثة مؤسفة مع جميع كتبه وأوراقه.

كان لوالده الدور الأهم في توجيهه إلى القراءة، مع مرور الوقت ازداد نهمه للقراءة، ولم يعد التوقف ممكنًا.

قدم حاج عمر أول قصة مكتوبة في عام 1973 إلى مدرس اللغة العربية في إعدادية المالكية في مخيم اليرموك، وهي قصة بوليسية متأثرًا بالجو السائد آنذاك بين أبناء جيله، كانت القصة مؤلفة من 55 صفحة في دفتر التلميذ.

كتب حاج عمر بعض الشعر، لكن الرواية كانت هاجسه، وقام بمحاولات عديدة، بعضها لم يتمها، وبقيت أوراقًا، أو دفاتر مجموعة في أمكنة مخصصة في مكتبة بناها على مدار ما يزيد على ثلاثين عامًا.

يتحدث الروائي حاج عمر لـ"فلسطين" عن عمله الأدبي الصادر في يونيو 2020، بالإشارة إلى ظروف وطنية وإقليمية معقدة تعصف بالقضية الفلسطينية، إذ يشكل استهداف المكون الثقافي الفلسطيني إحدى أهم إستراتيجيات النيل منها.

ويقول: "مدن الضجر، مساهمتي الممكنة، وقطعة صغيرة في المكوِّن النضالي الثقافي، هي ثمرة جهود فكرية وروحية وعذابات، هي حكاية الغربة في الغربة، وحكايات الإنسان العادي في نضاله المستمر في متاهات الشرق".

أحداث بغزة

ولدى سؤاله عن لماذا غزة؟ لتكون مطلعًا لبداية روايته، يجيب: "كل هذا الدمار لم يجعل من غزة مدينة قبيحة، لكنها أظهرت قبح هذا العالم".

ويردف: "غزة جزء عزيز من الوطن، ونموذج لا يتكرر، عصي على الانكسار، غزة التي لا تغفو من وجع تمد لهوائها الممزق يديها، تتابع حياكته، تمنحه الحياة، كان يمكن أن تكون حكاية مختلفة في مدينة فلسطينية أخرى، وآمل في عمل قادم أن أتابع في جغرافيا الوطن".

أما عن أحداث الرواية التي تجري في سوريا، فقد استلهم حاج عمر ذلك من سنوات اغترابه، إذ التقى في مرحلة الثمانينيات بأصدقاء من الضفة وغزة في اغترابهم للتحصيل الدراسي، أو لأسباب أخرى، "وقد أوحت لي مشكلاتهم مع ما يجري على الأرض برواية تتناول مفهوم الوطن، تتحدث عن الانتماء، لم تخرج الرواية كموضوع سياسي، إنها تنبض بحياة فرد ومحيطه ومشكلاته".

وعن التحدي الأكبر الذي واجهه، يروي: "لم أزُر غزة ومخيماتها، لكنني تجاوزت الأمر بكثير من البحث، في الكتابة لم أواجه صعوبات، واجهت مشكلات من نوع آخر، وكان همِّي حين صدور الرواية أن تصل إلى فلسطين، وأن أجد من يقرؤها".

احتراق مكتبته

نشرت لحاج عمر روايتان الأولى "رحيل" أنجزت في 2017، تتحدث عن أكثر من رحيل، رحيل عام 1948، ورحيل بسبب الأزمة السورية في انتقال بين الأزمنة، وتشابه المصائر، والثانية "حورية في الجحيم"، وهي رواية -قيد الإصدار- تسلط الضوء على المعاناة القاسية التي يعانيها الإنسان ممثلة في امرأة تأخذ أسيرة لأسباب غامضة في ظلال الوحشية الطارئة في هذه البلاد، وكيف يمكن في رفة عين أن تنقلب الموازين ويتغير مجرى حياتك باتجاه مجهول النهاية!

عن احتراق مكتبته في مخيم اليرموك، يتحدث بأسى: "بنيت مكتبة على مدار ثلاثين عامًا في بيتي في مخيم اليرموك، وضمت طيفًا واسعًا من الكتب، في أحداث الأزمة السورية وفي احتراق البيت المجاور امتدت النار إلى غرفة المكتبة وأتت على كل شيء. كنت في ألمانيا حين تلقيت النبأ، هي لحظة قهر لكنها لا تكاد تظهر في لوحة الفجيعة الكبرى".

وإذ يعرب حاج عمر عن اعتزازه بـ"كتارا" منارة ثقافية للأدب، يأمل متابعة مشروعه الأدبي، وأن ينجز كل الروايات التي في رأسه، "وأرجو أن أجد من يقرأ لي".