تقرير بين "الحرية والشهادة".. مقداد القواسمي لم يترك للسجان خيارًا ثالثًا

...

بهتتْ ملامح وجهه وأصفرّت وتغيرت معالمه، اختفت ابتسامته التي كان يطل بها دومًا؛ عيناه ذابلتان يرقد على السرير الطبي بالمشفى الإسرائيلي هزيل الجسد، حتى بانت عظام قفصه الصدري، أنهك إضرابه المتواصل منذ 91 يومًا قواه، ينخره الوجع من رأسه حتى قدميه، لكنه لا يقبل بأقل من الحرية والعودة لبيته مقابل وقف إضرابه.

كل يومٍ يمضي على قلب والدته أثقل من السابق، في كل ساعةٍ تمر تتغير حالة نجلها وتسوء أكثر، تسمع تقديرات الأطباء بتراجع أداء وظيفة أعضائه الحيوية، بينما يتشبث مقداد بموقفه الصارم في أشد لحظاتِ ضعفه "إما الحرية أو الشهادة" وبين الحياة والموت لم يترك للسجان أي خيارٍ ثالث.

الأسير مقداد القواسمي الذي يبلغ من العمر 24 عامًا، من مدينة الخليل، أعادت قوات الاحتلال اعتقاله في كانون الثاني/ يناير من العام الحالي، وصدر بحقه قرار اعتقال إداري لمدة 6 أشهر، ولكن حين انتهت محكوميته واستعدت والدته لاستقباله وأعدت المراسم لذلك، جدّدت له استخبارات الاحتلال الاعتقال للمرة الثانية، فأعلن المواجهة متسلحًا بأمعائه الخاوية، لمواجهة القرار، يؤمن بعدالة قضيته وحقه بالإفراج ونيل الحرية.

مرحلة الخطر

دمعة حائرة بين السقوط والاحتباس في عيني أم تغلبها العاطفة خوفًا على حياة ابنها، وقد أنهكها السهر حزنًا وهي ترافقه داخل مستشفى "كابلان" الإسرائيلي.

بين هذا وذاك تحافظ الأم على صلابتها تنتظر أن ترتد إليه صحته، منتصرًا على السجان في معركة وتحدٍ غير متكافئ، الصبر على الجوع سلاحه الوحيد لإسقاط قرار تجديد اعتقاله.

عبر الطرف الآخر من سماعة الهاتف، تنصت صحيفة "فلسطين" لصوت الآلات الطبية المنبعثة من غرفة المشفى، وصوت والدته وهي توجه نداء استغاثةٍ كررته كثيرًا في الآونة الأخيرة على منابر إعلامية عديدة: "ابني مستمر في إضرابه، يعاني أوجاعًا وتدهورًا شديدًا في صحته، يرفض أخذ المدعمات وأملنا بالله وشعبنا كبير بأن ينتصر على السجان".

ورغم تأخر التضامن مع مقداد، يتسلل الأمل إلى صدرها وهي ترى التحرك الشعبي أمام المشفى، مؤكدة حاجة ابنها لكل صوت، وكل كلمة وتضامن من الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي، "لأن قضية مقداد عادلة ويطالب بحقه الطبيعي في الحرية، في المقابل لا يوجد أي مسوغ قانوني لاستمرار اعتقاله بعد انتهاء محكوميته".

تلقى نظرةً أكثر قربًا على ما آلت إليه الأمور في صحة نجلها بعد تسعين يومًا من الإضراب، يمتلئ صوتها بالقهر: "منذ بداية إضرابه وهو يعيش على المياه، أسانده في مطالبه بالحرية، لكن عاطفة الأمومة تغلبني أريد رؤيته بصحة جيدة، بمحاولة إعطائه المدعمات لكنه يرفض".

تضيف بحرقة: "ما ضل جسد، ذاب لحمه، والآن عظمه كله بوجعه من رأسه حتى قدميه".

تستحضر الأم في حديثها صورته في اللحظة الأولى التي سمح الاحتلال لها بزيارته بعد 76 يومًا على بدء إضرابه عن الطعام: "توقعت أن أراه متأثرًا لكني ليس إلى هذا الحد، صدمتْ حينما رأيت وزنه انخفض وأصبح جسده هزيلًا يتحدث بصوتٍ خافت، لم أتوقع رؤيته بهذه الحالة، ربما وصلت إليه في وقتٍ مناسب كي أسنده في أشد لحظات ضعفه، أناوله كأس الماء، أسنده للذهاب لدورة المياه التي أشبه بمسير طويل".

جسد لا ينتظر

لا ينتظر جسد مقداد أن يصحو ضمير العالم للتضامن معه وأن ينتبه لقضيته، فكل يومٍ يمضي بعد ثلاثة أشهرٍ من الإضراب، يهدد حياته، ولا تزال والدته في ذهول من صبر وصمود ابنها طوال هذه المدة.

وتؤكد الأم أن مقداد "لا يريد الحياة لا الموت، ولو أراده فهناك طرقًا أسهل لذلك، لكنه يضرب ويمتنع عن الطعام لإيمانه بعدالة قضيته ويدافع عنها بأمعائه الخاوية".

وتشير الأم إلى التقارير الطبية الإسرائيلية التي يقول فيها أطباء العدو إن مقداد "على حافة الهلاك!" بسبب تعطل وظائف أعضائه الداخلية، متسائلة: ماذا ننتظر أكثر من ذلك حتى نتحرك؟، أنظر إلى صورته قبل الاعتقال وبعد إضرابه، "مش مصدقة، ولا يزال يرفض الاستجابة لطلب إدارة سجون الاحتلال بوقف الإضراب بأقل من العودة للبيت".

في بحثه عن الحرية دفع مقداد ثمنًا باهظًا، شابٌ بكامل حيويته وقوته وفي عمر الزهور، يرقد على سرير المستشفى، يعاني صداعًا شديدًا ودوخة تدور به الدنيا من كافة اتجاهاتها، لا يقوى على رفع صوته دون أن تقرب والدته أذنها إليه، فقد توازنه، حتى بات يقضي حاجته على الفراش.

داخل غرفة المشفى رافقه لأكثر من شهرين ثلاثة سجانين على مدار الساعة، تعمدوا تناول الطعام أمامه، قبل إزالة الحراس عن غرفته عقب قرار الاحتلال تجميد أمر الاعتقال الإداري والذي لا يعني إلغاؤه كما يطالب.