شرعت الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع في مفاوضاتٍ مع تنظيم قسد الذي يتلقى دعمًا من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب و "اسرائيل"، بالإضافة لتلقيه الدعم من حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر منظمةً إرهابيةً بالنسبة لتركيا التي تعتبر داعمًا رئيسيًا للنظام الجديد في سوريا، وقد أفضت المفاوضات المذكورة لاتفاق مارس/آذار 2025، إلا أن مظلوم عبدي بصفته قائد قوات قسد لم يلتزم بالاتفاق، بل استمرت قواته في السيطرة على العديد من المناطق التي كانت تسيطر عليها في مناطق شرق حلب ودير الزور والرقة، ما دفع الجيش السوري لتنفيذ عمليةٍ عسكريةٍ مركزة على مناطق حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وعليه فقد تراجعت قوات قسد من تلك المناطق لمصلحة الدولة السورية الجديدة.
وتعود جذور المشكلة الكردية إلى عهد الدولة العثمانية والتي تكرست خلال الانتداب الفرنسي لسوريا، كما لم تحل المشكلة خلال الحقب السياسية المتعاقبة على سوريا وتركيا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى تاريخ الاتفاق الجديد بين الحكومة السورية الجديدة وقسد، وما كان قبل ذلك من حلول فإنه لم يحل المشكلة من جذورها، بل جعلها رهن الحل المؤقت فحسب، كما حدث مع تركيا خلال نهاية العقد الأول من القرن الحالي.
كما ساهمت تركيا في تلك العملية من خلال توظيفها للعديد من الآليات العسكرية التركية التي وضعتها تحت تصرف الجيش السوري الجديد، حيث عمل الأخير على شرعنة عمليته من خلال اتباع تكيتكاتٍ تخلي المدنيين العزل من المنطقة لعزل الجهات المعادية وتسهيل مهمة قوات الجيش في مسرح العمليات، لتكون نتيجة العملية انسحاب قوات قسد من تلك المناطق وتوقيعها عن بعد اتفاقًا جديدًا مع الحكومة السورية، وقد أعلنت قسد مساء الجمعة 30 يناير 2026 دخول الاتفاق حيز التنفيذ، الأمر الذي يمهد لمرحلة جديدة بالنسبة للشعبين السوري والكردي، حيث عمل الاتفاق على حل مشكلة الأكراد التي كانت عالقة منذ عهد النظام السوري السابق وبعضها أقدم من ذلك.
ومن الجدير ذكره، مساهمة الاتفاق في وصول تركيا للهدف المنشود منذ عقود حيث إضعاف حزب العمال الكردستاني (PKK)، ووضعه بين المطرقة والسندان، خصوصًا في ظل عمل الحكومة السورية على توحيد البلاد ونبذ الفرقة ودمج الأقليات في أجهزة الدولة بشكلٍ لا يؤثر على اتخاذ القرارات الرئيسية في الدولة، بعد تقسيم سوريا بين العديد من التنظيمات المسلحة خلال الثورة السورية (2011-2024)، كما يمنع ذلك التوغل "الاسرائيلي" في الجنوب السوري، حيث عملت الحكومة السورية على الانضمام في مفاوضات تتعلق بالتواجد "الاسرائيلي" في بعض مناطق سوريا برعاية المبعوث الأمريكي توم باراك في باريس.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن تعنت "اسرائيل" في ذلك الملف جعلها تضع شروطًا كبيرة على الحكومة السورية، كإقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري وعدم دخول القوات العسكرية السورية في تلك المناطق بالشكل الذي يمكن أن يصنع تهديدًا على الأمن "الاسرائيلي"، في تكرارٍ مشابهٍ تقريبًا لأحد بنود اتفاقية كامب ديفيد مع مصر نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث تمنع الجيش المصري من التواجد في سيناء بمعداتٍ عسكريةٍ ثقيلة لضمان أمن وسلامة "اسرائيل".
وعليه، تستمر الحكومة السورية في عمليات التفاوض المتسارع مع "اسرائيل" للوصول للسيادة الكاملة على سوريا، وهو الأمر الذي ترفضه "اسرائيل" دون التوطئة لانضمام سوريا ضمن اتفاقات أبراهام "التطبيع"، خصوصًا مع خلفية الحكومة الجديدة، والتي تعتبر "اسرائيل" عدوًا في أبجدياتها المعلنة قبل الدخول لدمشق، ويظهر تمسك عناصرها بذلك بعد اندماجهم في قوى الجيش والأمن من خلال ترديد بعض الشعارات المعادية لـ "اسرائيل" والداعمة لغزة ومقاومتها، ما يجعل نسبة الاطمئنان لدى "اسرائيل" ضئيلةً دون الزامها -الحكومة السورية- باتفاقٍ علني، فيما لا تستطيع الحكومة السورية تنفيذ ذلك في ظل الوضع الراهن وحنق الشعب السوري على "اسرائيل" ورفضهم العلاقات معها.
كما أن الزيارات المتكررة لوفود من حكومة الشرع لروسيا والتي كان آخرها زيارة أحمد الشرع نفسه لروسيا ولقاءه بوتين، تعتبر خطوةً في الاتجاه الصحيح لصناعة عملية توازن استراتيجي بين الداعمين لبناء سوريا، حيث لا ترتمي سوريا في أحضان الولايات المتحدة وأوروبا، ولا تكون في أحضان روسيا، بل تلعب عملية موازنةٍ بين القوى العالمية لتستفيد من الجميع دون صناعة أعداء منهم، كما أن التقارب التركي الروسي يعمل في صالح سوريا، حيث تسهم العلاقات التركية الروسية في تطوير العلاقات السورية الروسية الرامية لإعادة انتشار القوات الروسية في مناطق سوريا بالشكل الذي يخدم منع التوغل "الاسرائيلي" في جنوبها، وإعادة تسليح الجيش السوري الجديد وصيانة معداته التي أنهكتها الحرب خلال عقد ونصفٍ تقريبًا من الحرب، وإضافة مدرستها الأمنية الروسية في سوريا، ما يسهم في الاستقرار السوري، وقدرة سوريا على إعادة تأهيل نفسها بطريقةٍ صحيةٍ لا تسمح لأحد الدول بالإملاء عليها بما يجب أن تفعل وما تفعل.
كما تعتبر التصرفات الروسية تجاه سوريا بعد انتهاء حقبة النظام السابق تصرفاتٍ منطقية لا تريد خسارتها تمامًا، كما أنها لا تريد خسارة موقعها الاستراتيجي بداخلها، لذلك أعتقد أنها تعمل على الموازنة بين الكفتين، فبينما تبقي على تواجدها في سوريا تعمل على تقديم مساهماتٍ في إعادة الإعمار لسوريا، ولكن ليس بالشكل الذي يعتقده الشعب السوري حيث إجبار روسيا على إعمار ما دمرته خلال الحرب، بعد وقوفها بجانب النظام السوري السابق.
الخلاصة:
أعتقد أن سير الشرع في سياسته تجاه كافة الأقطاب العالمية خطوةً في الاتجاه الصحيح، ولكن تبقى لديه العديد من التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي يمكن أن تفرض عليه قراراتٍ لا تتلائم مع طبيعة الشعب السوري ومطالبه العادلة خلال الثورة، حيث يعيش الشعب السوري في ظل انهاكٍ اقتصاديٍ تعاني خلاله الليرة السورية من الهبوط الحاد الذي يصل إلى أكثر من مليون ليرة سورية للمائة دولار، الأمر الذي يؤكد ضرورة حل المشاكل الاقتصادية للشعب السوري.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن استراتيجيته التي يسير ضمن تكتيكاتها، تعتبر استراتيجيةً معقدةً يصعب فهمها على غير العالم بمكونات الشعب السوري والتاريخ الجهادي للشرع وزملاءه في حكومته والتنظيمات التي انضموا لها، حيث يعتبر الشرع شخصيةً براغماتية يسهل عليها التعامل مع العديد من الظروف، كما لا يمكن إغفال الفاعلين في الحكومة الجديدة وماضيهم، فمن جهل الماضي صعب عليه قراءة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل بالشكل المنطقي.

