حيران ونبهان (2)

المقداد القواسمي يستغيث فهل من مغيث؟!

حيران: سيدي كلّما نظرتُ إلى معتقل مضرب عن الطعام رأيتُ فيه مقاتلا عنيدا يشق جحافل الأعداء وحده، رأيت فيه نخوة وشجاعة جيش عرمرم متمثلة في شخص واحد، عندي أسئلة مستفزّة، ماذا ننتظر نحن الطلقاء ونحن نرى الموت يحوم فوق رأس المعتقل مقداد القواسمي وقد اقترب في إضرابه المفتوح من تسعين يوما، وهل ننتظر بقية المضربين حتى يصلوا إلى هذا الرقم المخيف؟ هل بتنا لا ندرك خطورة الأمر أم أننا اعتدنا هذه الإضرابات وباتت لا تهزّ أعماقنا وكأن الأمر خبر عابر لا قيمة له؟

نبهان: أتفق معك على خطورة الأمر وأن الحراك التضامني في الشارع الفلسطيني لا يتناسب مع حجم الحدث، فالاعتقال الإداري بشكل عام وهذه الإضرابات التي تشعل الفتيل وتقرع جدران كل خزانات الظلم والقهر في عالمنا، لا بدّ لها من حراك عظيم على الأرض، والدعوة إلى هذه الحراكات ملقى على عاتق الفصائل والمؤسسات العاملة في ميدان الاسرى والمعتقلين، لا بدّ من وقفة قوية متواصلة مساندة لهذه المعركة المفتوحة على هذا الاعتقال الإداري اللعين.

حيران: وهل هذه المعركة التي عنوانها الاعتقال الإداري تستهدف شريحة من الناس، أم أنها تستهدف الكلّ الفلسطيني؟

نبهان: أنها تستهدف كلّ فلسطيني حرّ يفكّر في أيّ عمل عام يخدم قضيته وشعبه، فهو خصيصا لضرب العمل الفلسطيني العام، يريدون الناس قطيعا من الغنم ليس له إلا الأكل والشرب وخدمة الاقتصاد الإسرائيلي كأيدي عاملة رخيصة. وكلّ من يتحرك من أجل كرامة شعبه وحريته فهو مستهدف بالاعتقال، مقداد كغيره من المعتقلين الإداريين وجد نفسه في دوامة هذا الاعتقال حيث تشنّ حربا نفسية عليه وعلى أهله، ويتم التمديد المرّة تلو الأخرى فكلما اقترب موعد الافراج واقترب من بوابة الحرية جاءه أمر بالاعتقال من جديد، سياسة لعينة فاشية مدمّرة للحياة بكل ما أوتوا من خبث وحقد.

حيران: هل لك من معين تجربتك أن تضعنا في صورة كيف يحتمل المضرب التسعين يوما دون أي طعام؟ أنا حقيقة لا أستوعب هذا الرقم المهول؟  

نبهان: في عام 2000 شاركتُ في إضراب جماعي ثلاثين يوما، وكان أرحم على النفس من الإضراب الفرديّ، فقد شهد ذلك العام حالة تضامن شعبي سُميت انتفاضة الأسرى، وشارك فيها الفلسطينيون مشاركة عظيمة، لا مجال للمقارنة بين ثلاثين يوما وتسعين، فقد نحل منا العظم وهزل الجسم وتهاوت الاعصاب وزاغت الابصار وكنا على أحرّ من الجمر ونحن ننتظر لحظة الإعلان عن انهاء الاضراب، فهل لي أن أتصوّر هذه الجبهة المعنوية المشتبكة مع هذا السجان المفترس وقد أنشب كلّ مخالبه في روحه وضربه بكل أسلحته المريعة، لا أستطيع أن أتصوّر هذه الروح العظيمة الساكنة في هذا الجسد المنهك الذي لم تعد تفصله عن روحه الا خيط رفيع، فكيف لي أن أصفها بكلمات وأوصاف تليق بها وترتقي لمستواها؟ هذه معركة وقد كشفت عن ساقها ودارت رحاها في ميدان هذه النفس العظيمة التي تصرّ على تحقيق الانتصار، اعتقد أن اليوم عندها كألف يوم مما نعدّ، حجم الألم ممكن توزيعه على عشرات الرجال علّهم يحتملون ما يشعر به المقداد.

حيران: ولأن حجم الظلم كبير كان لهذه النفوس أن تحتمل هذا الألم الكبير.

نبهان: لأنها نفوس كبيرة قد سكنت أعماقها قيمًا عظيمة أولها الحرية وآخرها القدرة على الانتصار مهما اختلّ توازن الأدوات والامكانات.

حيران: لذلك فإن هذه النفوس العظيمة لا يجوز أبدًا خذلانها، على الكلّ الفلسطيني أن يتحرّك بكلّ طاقاته الممكنة، هذه نفس أبيّة تقود معركة بالنيابة عن الكلّ الفلسطيني لأنه لا يوجد من هو مستثنى من الاعتقال الإداري، إذا لم ننتصر لهذه القضية، ذات هذه الدرجة العالية من التضحية والفداء فلمن ننتصر؟ الآن هو يستغيث بالمولى وحده ثم بأحرار هذا الشعب، فهل من مغيث؟