عن فئة الصورة العامة لأفضل مراسلي الحروب

اليقظة والجهوزية والمنافسة تدفع بالمصورين أبو مصطفى والبابا إلى "البايو" الفرنسية

...
المصور الصحفي إبراهيم أبو مصطفى (أرشيف)
غزة/ هدى الدلو:

لا يخفي المصورون الصحفيون الفلسطينيون إبراهيم أبو مصطفى ومحمد البابا، فرحتهما بفوزهما بجائزة "بايو" الفرنسية لأفضل مراسلي الحروب، إلا أنهما يؤكدان أن هذا الفوز مغلف بالكثير من الخوف والقلق، حيث تكون العين على الحدث في حين يشتعل القلب على أُسَرهم.

وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الشيء لا يبرد نار قلب أبو مصطفى الذي يشتعل خوفا عليهم، حيث يعاين مشاهد الدمار والشهداء وتوثقه عينه الثالثة، فيتذكر أهله وأبناءه مباشرة، ويتوقع وصول أي خبر يؤلمه، ومع ذلك كان يواصل عمله ومهنته الصحفية في كل أماكن التصعيد، رغم إصابة بعض زملائه واستشهاد آخرين منهم.

ويؤكد المصورَين أن مجرد ترشحهما وثلاثة آخرين من مصوري قطاع غزة ضمن العشرة المرشحين لنيل الجائزة قبل إعلان الأسماء الفائزة، فوزًا للقضية الفلسطينية، حيث وصلت الصور إلى المحافل الدولية.

والمصور الصحفي إبراهيم أبو مصطفى (39 عامًا) يعمل في التصوير الصحفي منذ عام 2002 في وكالة رويترز للأنباء، ومنذ أن التحق بالمهنة عمل على تغطية وملاحقة وقائع العدوان الإسرائيلي على غزة، والتوغلات الحدودية، والحروب العدوانية الأربعة على القطاع، ومسيرات العودة، إضافة إلى الحياة اليومية للفلسطينيين.

وحاز أبو مصطفى جائزة "بايو" الفرنسية لأفضل مراسلي الحروب عن فئة الصورة العامة، وهي سلسلة من الصور المنشورة على رويترز بعنوان "غزة -11 يومًا من القصف".

وتضمنت قصته المصورة أربع عشرة صورة، يسرد من خلالها الضربات الموجعة التي تعرض لها قطاع غزة من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب الإسرائيلية العدوانية الأخيرة في مايو/ أيار الماضي، لمدة أحد عشر يومًا متتاليًا دون أي فترة تهدئة.

وتظهر اللقطات استهداف وقصف العديد من الأبراج السكنية، والمنشآت المدنية والحكومية، وتهجير آلاف الفلسطينيين، حتى دخلت الهدنة حيز التنفيذ، ثم دفن الفلسطينيون الشهداء، محاولين الاستمرار في العيش على أنقاض منازلهم.

وتلقى أبو مصطفى دعوة لحضور الاحتفال في دولة فرنسا، "ولكن كما العادة الأوضاع في قطاع غزة، خلال إجراءات الحصول على الفيزا والتنسيق للسفر عبر معبر رفح البائس يكون موعد حفل تسلُّم الجائزة قد انتهي"، وفق ما يقول، مؤكدًا أن هذه ليست المرة الأولى التي يحرم فيها المصورون الصحفيون الاحتفاء بالجوائز العالمية التي حصلوا عليها أمام الجمهور العالمي.

ويشدد أن الجائزة تعطيه والصحفيين الآخرين فرصة للوقوف أمام العالم والإبلاغ عما يجري في بلدانهم لكونها من الجوائز الدولية لمصوري الحروب والأحداث والنزاعات.

ويقول لصحيفة "فلسطين": "كنت متيقنًا من فوزي لقوة الصور التي قدمتها، وعندما اتصلوا لإخباري أني ضمن المرشحين العشرة، شعرت بنشوة الانتصار كما شعور الغزيين في معركة سيف القدس، وكان ذلك بمنزلة الفوز أن اُختار من بين 400 متقدم للجائزة من مختلف دول العالم".

اليقظة والجهوزية

"اليقظة والجهوزية الدائمة" هو ما يحتاج إليه عمل أبو مصطفى بسبب طبيعة الأحداث القائمة في القطاع، وعلى مدار عمله في مجال التصوير الصحفي كل عام يحصل على جائزة ما.

ويقول الصحفي الذي يقطن مدينة خان يونس: "الخروج خلال أيام الحرب ليس سهلًا، خاصة أن تترك عائلتك خلفك وأطفالك الصغار الذين ينتظرون عودتك على أحر من الجمر، كنت أخرج كل صباح حسب المنطقة التي يحددها فريق العمل للتغطية".

ويضيف: "في أيام الحروب والتصعيدات أكون قلقًا على أسرتي، لكن المعروف عندنا في قطاع غزة في تلك الأوقات أن الكل مستهدف، الحرب لا تفرق بين أحد".

وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الشيء لا يبرد نار قلب أبو مصطفى الذي يشتعل خوفا عليهم، حيث يعاين مشاهد الدمار والشهداء وتوثقه عينه الثالثة، فيتذكر أهله وأبناءه مباشرة، ويتوقع وصول أي خبر يؤلمه، ومع ذلك كان يواصل عمله ومهنته الصحفية في كل أماكن التصعيد، بالرغم من إصابة بعض زملائي واستشهاد آخرين منهم.

ويشير أبو مصطفى إلى أنه وفي أثناء عمله تحت القصف، لا ينقطع التواصل بينه وبين المكتب، حيث لا يتوقف مديره صهيب سالم عن تذكريه بتعليمات وإرشادات السلامة، وضرورة توخي الحذر وعدم المخاطرة، "فلا صورة تستحق حياة مصور مهما كانت أهميتها".

ويرى أن الحروب بيئة خصبة لكونها تنقل حالة الصراع القائم في المنطقة، وتبرز المعاناة وحجم الدمار، وذلك من خلال مشاركتها في المحافل الدولية.

المنافسة وحكمة الميدان

ويجمع مع أبو مصطفى الكثير من الصحفيين المصورين الذين نشأت معهم علاقة قائمة على المحبة والتقدير وروح المنافسة ومنهم المصور الصحفي البابا، الذي شاركه الفوز بالجائزة.

وتطرق البابا للحديث عن العلاقة القوية التي تجمعهما، فهي قائمة على المحبة رغم صعوبة المواقف التي يمرون بها، إلا أنهما يد واحدة في الميدان، يطمئنا على بعضهما باستمرار، لأن همًّا واحدًا يجمعهما وكذلك رسالة واحدة، لكن ما يحجبهما عن بعضهما هو سعيهما إلى المنافسة، فكل واحد منهما يسعى لأن يكون في مكان عالٍ وموقع لأخذ صورة مختلفة.

ويقول البابا: "روح المنافسة من الأشياء المملة في العلاقة التي تجمعنا بصفتنا زملاء عمل، وهي مفروضة رغمًا عنا بحكم طبيعة العمل، ولكنه تنافس إيجابي وطبيعي ولا يفسد للود للقضية".

ويستدرك قائلا: "لكننا في وقت الحروب والأحداث الساخنة نكون في ظهر بعضنا، كل واحد منا سند للآخر"، مستذكرًا كيف اختبأ وزميله أبو مصطفي خلف أحد الجدران ليحميا أنفسهما من الشظايا بعد قصف برج الشروق غرب مدينة غزة.

وقد تجاوز البابا مراحل التهور رغم تعرضه للإصابة أكثر من مرة، إلا أنه لخص سنوات عمله بأن الحكمة هي الأفضل في ميدان العمل وهذه تأتي بتراكم الخبرة.

ويلفت إلى أن تنافس مصوري غزة في الميدان فيه ضرب من الجنون، "فبعضهم يتخطى كل مبادئ السلامة الشخصية في سبيل الحصول على الصورة، جميل أن يمتلك المصور قوة قلب للاندفاع في قلب الحدث، ولكن يجب أن نقتنع أن لا صورة تساوي حياتنا".

وحصل على المركز الثاني لجائزة بايو الفرنسية لفئة الحكام، حيث تناول صورة الحرب على غزة: الانفجارات والصواريخ والجنازات والدمار والركام والشهداء والجرحى.

ويتمنى البابا أن يجمع صور المصورين الفلسطينيين الفائزين في جوائز دولية، والتي عرضت في محافل دولية، في كتاب مصور ومكتوب، وينظم معرضًا متنقلًا من غزة إلى الضفة الغربية والقدس وأرجاء من الوطن العربي، لتعرض فيه القضية الفلسطينية ويكون مزارًا للزوار.