6 مليارات وأكثر.. ماذا تريد (إسرائيل) من تكديس "الشيقل" ببنوك الفلسطينيين؟

...

للمرة الرابعة وخلال أسبوع فقط، واجه محمد حمدان صدا من البنك الذي تتعامل معه الشركة التي يعمل بها بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وبصعوبة كبيرة أودع مبلغا بعملة الشيقل، هو حصيلة عمل المؤسسة التي يعمل بها.

في الآونة الأخيرة حدَّت البنوك الفلسطينية، وبتعليمات من سلطة النقد، من إيداع مبالغ كبيرة من عملة الشيقل لزبائنها، وألزمتهم باستيفاء شروط معينة لذلك بحجة تراكم النقد لديها وتجاوزه 6 مليارات شيقل، وهو ما بات يفاقم مشاكل المواطنين والتجار على حد سواء.

ويقول حمدان الذي يعمل "موظف كاش" إنه صار يواجه بعض التشديد من البنك المتعاملين معه بقبول عملة الشيقل، رغم أنهم شركة كبيرة ويحق لهم إيداع مبلغ معين يوميا.

ويضيف أنه لم يعد سهلا قبول البنك الأوراق المالية (الكاش) من فئة الشيقل، وصار وكأنه يحدد لكل مؤسسة قيمة إيداعها اليومي، أو يلجأ لتقسيم المبلغ على دفعات ولعدة أيام لحل المشكلة.

ويرى حمدان أن البنك هو الجهة الأكثر أمنا للمواطن والتاجر لإيداع الأموال، وأن المطلوب أن تحل البنوك المعضلة مع (إسرائيل) لا أن ترضخ لها، وتعتمد إيداعات المؤسسات والأفراد من قيمة الشيقل بشكل طبيعي ودون تضييق عليهم.

نوايا خبيثة

وبحجة محاربة "الإرهاب" وغسل الأموال ومكافحة الجريمة في الأسواق، توقفت (إسرائيل) عن استقبال النقد من البنوك الفلسطينية منذ عامين.

وأقر (الكنيست) الإسرائيلي ما يعرف بـ"قانون لوكر" الذي دخل حيز التنفيذ مطلع العام 2019 لتقييد المعاملات المالية (النقدية) التي تتجاوز 11 ألف شيقل، وأن العميل مجبر على دفعها إلكترونيا.

وإن بدا إجراء الاحتلال وقراره في ظاهره لتنظيم المعاملة المالية (النقد) وضبطها، فإنه يبطن "نوايا خبيثة" تهدف -حسب خبراء اقتصاد ومسؤولين فلسطينيين- لفرض مزيد من الضغوط على الفلسطينيين وتقييد حريتهم لإرضاخهم سياسيا، خاصة وأن قرار البنوك الإسرائيلية بوقف استقبال الشيقل تزامن وإعلان الاحتلال عن صفقة القرن.

وتلزم الاتفاقات الموقعة بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)، كباريس الاقتصادية، تل أبيب باستقبال الأموال من فئة الشيقل في ظل عدم وجود بنك مركزي فلسطيني من ناحية، و"تعود العملة لموطنها الأصلي" وفق القانون من ناحية أخرى.

ويقول الخبير المالي الفلسطيني محمد سلامة إن (إسرائيل) تكدس الشيقل بغرض مالي واقتصادي وسياسي، ومن لؤم القانون الإسرائيلي أنه لم يحم البنوك الإسرائيلية التي تتعامل مع نظيرتها الفلسطينية التي تتعامل بالنقد الذي يصعب حصر مصدره، من تهمة (الإرهاب).

المصدر والمسيطر

وبغرابة يتساءل سلامة عن مصدر النقد من الشيقل الإسرائيلي لدى الفلسطينيين سوى (إسرائيل)، والمتأتي عبر العمالة الفلسطينية عندها أو الفلسطينيين من القدس أو فلسطينيي 48، إضافة للمعابر والصرافين الإسرائيليين.

ثم كيف تخشى (إسرائيل) غسيل الأموال؟ يتساءل سلامة، وهي تحاصر الفلسطينيين أمنيا وتسيطر عسكريا على المعابر والحدود "ولكنها تريد توريطهم بتكديس الشيقل لتمارس غطرستها عليهم لتركعيهم سياسيا".

وعلى الرغم من أن سلطة النقد الفلسطينية قدمت كشوفا تظهر تفاصيل تراكم الشيقل وبأرقام دقيقة، فإن (إسرائيل) من الطبيعي أن تتذرع وتتهم الفلسطينيين بالإرهاب وغسل الأموال، "فهي خلقت البيئة المناسبة للاتهام سلفا برفضها استقبال الشيقل".

وأعاق تكديس أكثر من 6 مليارات شيقل، وفق سلامة، قدرة البنوك على الإقراض ومساهمتها في التنمية الاقتصادية وتحمليها تكلفة تخزين الأموال وشحنها وتأمينها، إضافة لأن هذه الأموال المكدسة أضحت "نفايات" لا يمكن استخدامها أو استثمارها.

كما أن البنك المركزي الإسرائيلي يرفض دفع فوائد على الأموال المكدسة، وبالتالي يستنزف أرصدة البنك الفلسطيني وفائض سيولته التي تمكنه من ربط ودائع والحصول على تمويلات من بنوك خارجية.

وتشير معلومات موثقة إلى أن العمال الفلسطينيين لدى (إسرائيل) يودعون ما بين 10 و12 مليار شيقل سنويا، وأن نحو 5 مليارات شيقل ينفقها فلسطينيو 48 بالضفة الغربية سنويا.

ووفق الاتفاقيات الموقعة بين سلطة النقد والبنك المركزي الإسرائيلي، فمن المفترض أن يستقبل الثاني فائض الشيقل كل ربع سنة بمقدار 4 مليارات شيكل.

استنزاف للبنك والمودعين

ويؤثر تكدّس الشيقل على ربح البنوك التي تقوم أساسا على استقبال الأموال وتدفع فوائد للمودعين بمختلف العملات، وتعيد ضخها بالسوق على شكل قروض عادة ما تتم بالدولار والدينار الأردني والقليل منها بالشيقل.

وهذا يجعل، حسب مدير جمعية البنوك في فلسطين بشار ياسين، الفرق كبيرا بين إيداع الشيقل وتصريفه، وبالتالي تتراكم خسارة البنوك لأن الشيقل المودع لا يستثمر داخل السوق الفلسطيني.

كما أن بعض البنوك الفلسطينية لها حسابات عند في البنوك الإسرائيلية لغايات التجارة الخارجية والمستندات والاعتمادات المالية، ونتيجة لعدم استقبال البنوك الإسرائيلية للشيقل تنكشف حسابات البنوك الفلسطينية وتصبح بلا رصيد.

ويؤثر فائض الشيقل على المودعين بإحجام البنوك عن استقبال إيداعهم بالشيقل، وفرضها رسوما على المبلغ المودع وبنسب متفاوتة لتتلافى استقباله، كما أن البنك لا يمكنه ربط الودائع التي استقبلها لأجل لتعود بالفائدة على المودعين.

ويقترح ياسين حلولا لتخفيف كمية النقد بالشيقل وعبئه على الفلسطينيين، كاستخدام وسائل دفع وحوالات إلكترونية، إضافة لتحويل أجور العمال ورواتبهم عبر حوالات إلكترونية، وهي وسائل آمنة ومتوفرة على مدار الساعة.

وعلى (إسرائيل)، حسب ياسين، أن تدرك أن استقبالها للشيقل ليس منَّة لأنه عملتها، مبينا أن الأزمة أساسا سياسية مغلفة بالاقتصاد، وتستخدم لابتزاز السلطة والبنوك الفلسطينية معا.

ابتزاز سياسي

ويتفق الباحث بمركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية سليمان بشارات مع سابقيه في أن الهدف هو ابتزاز السلطة سياسيا عبر بوابة الاقتصاد.

ويقول، إن الاحتلال يرفض تحقيق مفهوم الاستقلالية للسلطة والفلسطينيين بشقيها السياسي والاقتصادي عبر إبقاء الارتهان للسيولة الإسرائيلية أولا، وربطهم بالمساعدات الخارجية الاستهلاكية دون تحقيق الاستقلالية التنموية والإنتاجية لهم ثانيا.

وكل ذلك لا يمكن إغفاله عن مفهوم التحكم والسيطرة بهدف إنهاك الاقتصاد الفلسطيني من خلال ربطه المباشر بأي تغيرات سياسية أو أداة ابتزاز سياسي.

المصدر / الجزيرة نت