موسم قطف الزيتون.. صلة بالأرض وأيام عيد للعائلات

...
صورة أرشيفية
سلفيت/ عزام حافظ:

كانت سنة "شلتونية" أي شحيحة الثمار، لكن أصحاب هذا الموسم يصرون على أن يعيشوا أجواء جني الزيتون، لما فيها من ألفة ومودة، واجتماع للأقارب والأصدقاء في مكان واحد.

اعتادت الجدة "أم الحارث" عاصي منذ عشرات السنين الخروج إلى أرضها في قرية قراوة بني حسان الواقعة على تلة مرتفعة إلى الغرب من محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية، لتكون من أوائل الذين يجنون الثمار تحضيرًا لعصرها واستخراج الزيت منها، والاحتفاظ بالباقي للأكل و"التخليل".

يتسابق الأحفاد الذين يصل عددهم إلى عشرين حفيدًا صبيانًا وفتيات للاقتراب من الجدة، وهي تهزج تارة: "يا ظريف الطول"، وتارة "ع اليادي"، في أجواء تراثية تعزز انتماء الأحفاد إلى الأرض وترسخ قيمتها الوطنية في عقولهم، كما ورثت الجدة عن أمها وأجدادها.

تبدأ تفاصيل يوم جني ثمار الزيتون في ساعات الصباح الأولى بتجهيز "الزوادة" من خبز وجبن وخضراوات جادت بها الأرض، إضافة إلى زيتون مخزن منذ العام الماضي، فتفطر العائلة قبيل أن تنطلق كل مجموعة إلى شجرة معينة يقطفون حبيبات الزيتون من على أغصانها.

وقبيل صعود الصغار على أغصان الشجر يجهز الشباب "الفَل" أو الفرش تحت كل شجرة، حتى يسهل جَد الشجرات وجمع حب الزيتون بعد سقوطها على الأرض، في حين يتنافس آخرون فيمن يستطيع أن يجني ثمار شجرته قبل الآخر وينتقل إلى شجرة أخرى، في طقوس تخلق ألفة بين أفراد الأسرة حتى العائلات التي تتجاور أراضيها.

بين الفكاهة والسياسة

هذا السباق يبدو في ظاهره فكاهيًّا في بعض الأحيان، لكن عبد الله نجل الجدة "أم الحارث" يخبرنا أنه إجباري في بعض الأحيان، ويحمل في طياته ضغطًا نفسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، إذ يمنع الاحتلال وصول العائلات إلى مساحات واسعة من أراضيها إلا بإذن وتصريح مسبق، ومحدد الوقت، فتعمد العائلات إلى تكثيف عملها وجهدها، وفي بعض الأحيان تلجأ إلى استئجار عمال ليساعدوها في جني الثمار قبل انتهاء مدة التصريح.

ثمار الزيتون تجمع العائلة في مكان واحد، يتبادلون فيه أطراف الحديث الذي يتركز في موضوع التعلق بالأرض وأهميته، وترسيخ ذلك في نفوس الأجيال الصغيرة التي يعول عليها في الدفاع عن أرض يمزقها الاستيطان من كل جانب محولًا مدنها إلى "كنتونات" معزول بعضها عن بعض.

وتبلغ مساحة أرض الجدة "أم الحارث" 16 دونمًا ظلّت مصادرة قرابة 20 عامًا لمصلحة الاستيطان، إلى جوار مائتي دونم من أراضي القرية، لكن في النهاية كسب أصحاب الأرض القضية، وعادت الروح إلى صدور أهاليها.

ويضيف عبد الله لصحيفة فلسطين: "إن أجواء جني الزيتون تكون جميلة وإيجابية في كثير من أحيانها، حين تكون بعيدة عن تنغيص الاحتلال ومستوطنيه، لا سيما نسمات الهواء العليلة التي نستثمرها في فصل الأوراق عن الحبيبات مع ساعات العصر، والأجواء العائلية الجميلة حيث يجتمع أفراد الأسرة كافة صغارًا وكبارًا على طبق واحد"، ولا ينفي عبد الله أن أجواء الماضي كانت ذات طابع مميز أكثر من الأيام الحالية.

ولضمان مشاركة الجميع في الموسم يعمد الموظفون إلى طلب إجازة من أعمالهم، في حين يتفرغ العامل للقاء أهله ويؤجل مهامه إلى أيام قادمة.

عيد للأطفال

أما الأطفال فتغمر السعادة قلوبهم، فأيام الموسم عيد وفرصة للتحرر من مقاعد الدراسة، يقضون أوقاتهم بين الأشجار وعلى أغصانها.

يوم الجمعة في موسم الزيتون يصفه عبد الله بيوم العيد، إذ ينطلق الجميع من ساعات الفجر للحصاد حتى صلاة الظهر، يذهب الرجال إلى الصلاة، في حين يبدأ التنافس بين زوجات الأبناء من ستعد ألذ وجبة طعام من الأكلات الفلسطينية التراثية، هذه تجهز المقلوبة، وتلك تطهو ورق العنب، وأخرى تكتفي بالمقالي.

ويتميز الأكل بنكهة خاصة لكونه مطهوًّا على نار الحطب، ويعود الرجال من صلاة الجمعة حاملين الحلوى معهم لتكمل معالم صورة جميلة من المودة والمحبة بين أفراد الأسرة الواحدة.

ويتقاسم التشجيع لموسم قطف الزيتون كبار السن والأحفاد، فالصغار يعيشون أجواء الفرحة، والكبار يجددون ارتباطهم الروحي بهذه الأشجار التي قاموا على رعايتها منذ الصغر وكبرت معهم، وأقرب إلى قلوبهم من فلذات أكبادهم في كثير من الأحيان.