خريف أيلول في عمان وأوسلو والقدس

كان لأيلول قصة طويلة مع الشعب الفلسطيني، وما بين لحظات انكسار وانتصار بقي خريف أيلول شاهدًا على محطات انتصارنا وانكسارنا، وظلت حكايا أيلول سيرة تروى قصص البطولة والفداء لأبطال عاشوا وقضوا على طريق فلسطين الأرض والتاريخ، كما يروي أيلول قصة ضعف وهزيمة لمن قبلوا أن يكونوا ظلام أيلول الذي حل بشعبنا حينًا من الزمن.

بدايات أيلول كانت مظلمة وتركت في الذاكرة الجمعية الفلسطينية جرحًا غائر لا يندمل، ولشدة الألم الذي خلفه أيلول في وجداننا أسميناه أيلول الأسود، ولقد كان أيلول وقتها جديرًا بالسواد الذي ظلل بياض صفحة الثورة الفلسطينية، التي أشرقت بداياتها عندما التحمت سواعد الإخوة في الجيش الأردني وقوات الثورة الفلسطينية، وضغطت على زناد الكرامة في أرض الكرامة، فكان النصر الأول الذي أعقب هزيمة النكسة، فغرس الأمل بعد الانكسار الكبير، وأعاد الروح للجسد الميت، فتدفقت فيه الحياة، وعاد ليدب على الأرض بقوة الجسد والروح، وسالت شلالات الثورة بشباب فلسطين الذين عشقوا الأرض ففدوها واستشهدوا في سبيلها، واستعاد شعبنا ثقته بأن النصر يرتسم من فوهات بنادق الثوار، ثم ما لبث أن جاء أيلول بمأساته الكبرى لتتواجه البنادق التي قاتلت معًا من قبل، فأظلمت سماء فلسطين وغابت شمسها وغشيها اليأس الذي لم تفلح أيام العرب في كشف ضره.

تركنا أيلول في عام 1970م في عمان ليعود لنا في أوسلو عاصمة النرويج عام 1993م، وهذه المرة كانت مأساته أكبر وأثرها أخطر، إذ حول أيلول قوات الثورة الفلسطينية إلى قوة أمن تعمل تحت إشراف سلطة سمح بها الاحتلال ووضع مواصفاتها وفقًا لحاجة أمنه، فكانت سلطة لم تملك من مقومات السلطة شيئًا، اللهم إلا علمًا يرفرف فوق أرض ما زالت مغتصبة، وبساطًا أحمر بلا سيادة، وألقابًا ومسميات غريبة عن واقع الثورة، فتغيرت المفاهيم في أيلول أوسلو، لتصبح الثورة سلطة، والفدائي رجل أمن، وسلاح الثورة سلاحًا مرخصًا بخاتم الاحتلال.

وما كان أشد ظلمة أيلول حينما لاحق ثائر الأمس رفيق السلاح، ووضع الأصفاد في يديه التي حملت السلاح باسم الثورة، وضغطت على الزناد لتحمي الأرض، ونزفت الدماء فداءً للوطن، ومضى بنا أيلول حينًا من الدهر لم يكن له فينا إلا ذكراه الأليمة، حتى لمع من بين جنبات الظلمة الحالكة التي خلفها أيلول في أوسلو 1993م نور من الأقصى عام 2000م، ليبدد تلك الظلمة القاسية التي جثمت على زرقة سمائنا، وغطت سحبها السوداء جمال شمسنا، فكانت انتفاضة الأقصى التي جاء بها أيلولنا الجديد، ولكنه ليس أيلول الأسود الذي عرفناه في عمان وأوسلو، وإنما أيلول أبيض أضاءت به سماء القدس واخضرت به أرض فلسطين بعد طول جفاف، وعادت للأشياء أسماؤها القديمة التي ألفتها الألسن وارتاحت لها الأسماع، فأعاد أيلول لنا في انتفاضة الأقصى تعريف الاحتلال مرة أخرى بأنه عدو، وأن الأرض هي فلسطين، والسلاح طاهر بطهارة دماء الشهداء، وبقي أيلول على عهده بنا منذ عشرين عامًا، وما زالت انتفاضة الأقصى جذوة مشتعلة تأبى أن تُخمد رغم كل المؤامرات التي حيكت لإخمادها، بل ازداد لهيبها وارتفعت نيران شعلتها في حرب الفرقان التي جعلت صمود المقاومة أسطورة تحدٍّ، وحجارة السجيل التي شهدت قصف (تل أبيب) أول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني على يد المقاومة الفلسطينية، والعصف المأكول التي حطمت قوات نخبة الاحتلال على بوابات غزة فأعادت للذاكرة ذكرى الكرامة والأغوار، وسيف القدس التي جعلت فلسطين التاريخية مرة أخرى لوحة كفاح لم نشهدها من عام 1936م، أعادت لنا ذكرى البراق والقسام، وعبقت ريح زكية في اللد والرملة ويافا والناصرة والنقب، فعدنا لفلسطين وعادت فلسطين لنا.

نأمل من أيلول أن يبقى على عهده الأخير، مكفرًا عن خطايا ارتكبت فيه، فشعبنا كريم الأصل يعفو ويغفر لمن كفّر عن خطاياه، ولكنه لا ينسى.