تحديات التعامل مع "فرط النشاط ونقص الانتباه"

...
صورة أرشيفية

نتيجة للاهتمام المتزايد من الآباء ومقدمي الخدمة الطبية بمرض نقص الانتباه وفرط النشاط، وكل ما يتعلق بطبيعته، وطرق التعامل مع الأطفال المصابين به، وكيفية تشخيصه وعلاجه السلوكي والدوائي، أصبحت الدراسة الطبية المتتالية عنه متوفرة بسهولة وبأسلوب مبسط للجميع.

أحدث هذه الدراسات التي نشرت في مطلع شهر سبتمبر/ أيلول من العام الحالي، أشارت إلى تحديات رئيسة تواجه أسر الأطفال المصابين بالمرض، وذلك في محاولة للوصول لأفضل النتائج في رحلة العلاج التي في الأغلب يمكن أن تلازم الطفل حتى بعد مرحلة البلوغ، حيث إن المرض يعد مزمناً.

أجرى الدراسة باحثون من المركز الطبي بولاية بوسطن الأميركية، ونشرت في النسخة الإلكترونية من مجلة طب الأطفال، وشملت آباء من الأقليات الإثنية والعرقية لديهم جميعاً أطفال مصابون بالمرض. وتم عمل استبيان حول تجارب الوالدين عبر المراحل المختلفة التي تنتقل فيها العائلات من رصد أعراض المرض، وطلب المعونة الطبية، ثم التشخيص، نهاية بتلقي تعليمات العلاج والتعامل مع الحالات، سواء في التفاعل مع الطفل ومحاولة تفهمه، أو بين أفراد العائلة أنفسهم والمجتمع الأكبر الذي ينتمي له الطفل فيما يتعلق بالتعليم والأقران في الجوار وأيضاً الرعاية الصحية.

وشملت الدراسة 41 عائلة مختلفة في الدخل المادي، وبعضهم من المناطق الحضرية، وبعضهم من الأرياف، ومن أصول مختلفة لا تتحدث الإنجليزية بطلاقة مما يجعلهم أكثر عرضة للتنمر والتمييز. وفي هذه الأسر كانت أعمار الأطفال تتراوح بين الثالثة والسابعة عشرة، وجميعهم خضعوا للعلاج في الفترة من يونيو/ حزيران 2018 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وأجاب الآباء على أسئلة تتعلق بحالة أطفالهم، كما أجابوا عن انطباعاتهم عن التعامل الصحي، وأيضاً حالتهم النفسية.

من المعروف أن مجتمعات الأقليات أو المجتمعات الأقل تقدماً التي توجد فيها فروق عرقية، تواجه بوجه عام ضغوطاً نفسية فيما يتعلق بعملية العلاج لأمراض النمو العصبي (neurodevelopmental)، مما يشكل عقبة حقيقية أمام المعالجين. وتعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تقدم إطاراً شاملاً للتعاون بين الآباء ومقدمي الرعاية الطبية معاً، حيث نصح الباحثون الأطباء بالتحلي بالمرونة الكافية لتفهم موقف هذه الأسر (بمعنى تجاوز الأخطاء التي يتم اقترافها بداية من التهاون في الالتزام بالعلاج بعض المرات سواء الدوائي أو السلوكي، أو عدم الذهاب للمتابعة، والحكم على تجربة العلاج من خلال تقييم شامل وليس مجرد الالتزام بالتعليمات). ويقوم الباحثون في هذه الدراسة بالتركيز على العائلة كمكون أساسي للعلاج، وتهدف إلى كسر الحواجز التي تواجهها العائلات منذ مرحلة ما قبل التشخيص وصولاً إلى أعداد الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه للمستقبل، وأيضاً يمكن للطفل أن يساعد هذه التجربة.

تحديات العلاج

حددت الدراسة تحديات معينة تواجه الأسر للمشاركة في العلاج، وهي:

- مرحلة التعامل طبيعيًا مع الطفل: إذ يجب عدم التعامل بقسوة أو بتهاون مبالغ فيه، ولكن بتفهم لطبيعة المرض حيث إن أطفال نقص الانتباه يتمتعون بقدر عادي من الذكاء، ولكن لا يمكنهم التركيز لفترات طويلة، ولذلك كلما كانت المهمة محددة وفي فترة قصيرة كلما أمكن إنجازها بشكل طبيعي.

- مرحلة التعامل مع الوصم: إذ تعاني المجتمعات الأقل تقدماً تكنولوجياً من دونية النظرة إلى المرض النفسي أو العصبي، والتعامل مع الطفل كما لو كان يعاني من إعاقة عقلية أو نفسية. وهذه النظرة تعاني منها الأسرة بالقدر نفسه الذي يعاني منها الصغير، وربما بشكل أكبر تبعاً لطبيعة كل مجتمع.

- مرحلة العمل: وهي المرحلة التي يدرك فيها الآباء أنهم في حاجة إلى مساعدة متخصصة، وأن الأمر ليس مجرد سلوك غير منضبط ولا رعونة أطفال، بل يجب التعامل معه كما لو كان مرضاً عضوياً.

- مرحلة التواصل مع مقدم الخدمة: خلافاً للأمراض العادية لا يحتاج مرض نقص الانتباه وفرط النشاط إلى مجرد تشخيص الطبيب وعلاجه، لكن يحتاج إلى مراكز متخصصة ومؤهلة للتعامل مع الطفل لمحاولة تنمية مهارته ومساعدته في اكتساب مهارة جديدة تناسب طبيعة مرضه، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون غير متوفر في مجتمعات معينة، خصوصاً دول العالم الثالث، ومن ثم تقديم الرعاية والاهتمام للطفل.

وتعد مراحل مشاركة هذه العائلات في العلاج أشبه ما يكون بعملية التنمية النموذجية التي تقدم في القرى. وهناك بعض الأمور التي تعوق هذا النجاح في العلاج مثل عدم التناغم بين مقدمي الخدمة وأولياء الأمور في مراحل مختلفة، حيث تكون هناك رؤية معينة للأطباء أو المعالجين، ولا تطابق هذه الرؤية التصور العام عن شكل التقدم الذي ينتظره الآباء لأبنائهم مما يجعلهم يحجمون عن تكملة العلاج في مراحل مبكرة مما يؤدي إلى عدم الاستفادة.

وأخيراً أوصت الدراسة بضرورة حل المشكلات التي تواجه الآباء والأبناء على حد سواء تبعاً لخصوصية كل مجتمع. وفي الولايات المتحدة، ذكر الآباء الذين شملتهم الدراسة أنهم يعانون من التمييز العرقي، سواء من المحيطين أو حتى بعض مقدمي الخدمة، بجانب وصمة المرض لأبنائهم مما يجعلهم يتأخرون في معالجة أولادهم، فضلاً عن المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالمرض خاصة، ومعاملة الطفل كما لو كان يعاني من تأخر عقلي، وذلك لعدم تمكنه من التركيز في شيء معين. وكلما تم تقديم الخدمة بشكل مناسب للأطفال كلما كان إقبال الآباء على المشاركة أكبر.

المصدر / د. هاني رمزي عوض - استشاري طب الأطفال