"فنان الشارع".. ريشته ظِل للبندقية وبها يصبغ جدران الوطن

...
غزة/ هدى الدلو:

تغيرت ملامح قرية بيتين الواقعة في الشمال الشرقي لمدينة رام الله بعدما تحولت جدرانها إلى معرض فني يحمل معاني فلسطينية تُبرز عنصرية الاحتلال الإسرائيلي وجزئيات أخرى من القضية الفلسطينية.

منطلقًا من قرية حوسان غرب مدينة بيت لحم، يمضي الفنان تقي الدين سباتين وقته في الهواء الطلق بين قرى المدن الفلسطينية المجاورة يصبغ جدرانها بألوان مفعمة بالحياة وتعكس في الوقت نفسه واقعًا سياسيًّا يعيش الفلسطيني في ظلاله.

بريشته رسم سنابل القمح، وزهر الحنون، ونساء فلسطينيات بأثوابهن التراثية المطرزة وغيرها من الرسومات التي تحمل قيمًا دينية واجتماعية وثقافية وتاريخية، وبلغ مجموع ما رسمه من جداريات 300 جدارية. أما على جدار الفصل العنصري الذي يخترق أراضي مدينته فقد عبر عن سياسات الاحتلال العنصرية واعتداءاته، وعن تاريخ النضال الفلسطيني.

عرف نفسه بأنه فنان حر وشارع، من مواليد عام 1988، حاصل على شهادة بكالوريوس في الفنون الجميلة من الأكاديمية الدولية للفنون المعاصرة في مدينة رام الله، وله مشاركات في العديد من المعارض الجماعية.

يومًا ما أراد سباتين أن يكون فنان أستوديو، ولكن طبيعة الوضع الفلسطيني لا يحتمل أن يكون الفنان داخل الغرف المغلقة، وشعر مبكرًا أن الناس بحاجة لمن يقرأ أفكارهم، ورؤية الأعمال الفلسطينية، فالجداريات عنصر مرئي أمام الجميع.

يقول لـ"فلسطين": "الجدارية شيء ملموس وبشع بالنسبة للفلسطينيين، فجدار الفصل العنصري يلتهم مساحات واسعة من الأراضي، ويقطع الطريق على الحياة والحضارة والتواصل".

ويضيف: "لذلك كرست وقتي لرسم الجداريات منذ عام 2017 لكونه فنًّا يناسب مختلف عقول الناس، فأبحث عن أماكن للرسم عليها إذ يمكن إعادة إحيائها من جديد بعد أن كانت أماكن مهملة، لتصبح مزارًا يقف أمامها المارون على الطريق، وتزين المرافق العامة".

ويشير سباتين إلى أن الأمر مكلف ماديًّا، فجُل ما يستخدمه من أدوات وألوان يشتريه على نفقته الخاصة، لكنه على ثقة بأن جدارياته في بيت لحم وعلى جدار الفصل العنصري من شأنها أن توصل رسالة فنية وسياسية وتتحدث عن جزئيات متعددة في القضية الفلسطينية.

سفير الجمهور

قرية بيتين إحدى القرى التي عمل بها بطريقة غريبة، وكان ذلك بعد دعوته لعمل جداريات تتعلق بمناسبات دينية كشهر رمضان وعيد الفطر، غير أن تفاعل الناس من حوله وشغفهم بما يرسم قاده لفكرة الجداريات على أسوارها، إذ منتحه جدران بيوت القرية مساحة للتعبير عن نظرة الفنان الفلسطيني وهويته، وأوجدت علاقة بين الجدران والناس.

وينبه سباتين إلى أن الزائر لقرية بيتين يلمس كمية التغيير والمشهد الحضاري والعمراني والزراعي والفني، وتقي الدين لم يعتمد فقط على ذلك بل أيضًا تطرق للجانب الأخلاقي والتعاوني والجانب المبادر.

وتعرض سباتين للاعتقال قبل مدة وجيزة لجدارية رسمها على جدار الفصل العنصري تظهر عدسة قناص إسرائيلي وعدسة الكاميرا، وكتب (Stress) أي "توتر" بدلًا من (Press) أي "صحافة"، ليظهر حجم الضغط على الصحفيين في أثناء عملهم.

ويشير إلى أن رسم أي جدارية يتطلب منه البحث جيدًا عن مكان مناسب ولا يشكل خطرًا عليه، ويحرص أن التكون الرسمة معبرة واضحة المعنى يسهل على الجميع قراءتها سواء أكان مثقفًا أو أميًّا، كبيرًا أو صغيرًا.

ويلفت سباتين إلى أن الرسم على الجدران ليس بالفن الجديد بل ظهر منذ اندلاع الانتفاضة الأولى، إذ كان فنانون يرسمون أعمالًا فنية تحث على المقاومة، ونشر الوعي بين الشباب، ولذلك كان هذا العمل استفزازًا للاحتلال فيجبر صاحب الجدار على إعادة طلاء الجدار لتجنب إثارة الشارع عليه.

ويبين أن فنان الشارع هو سفير الجمهور وتقع عليه مسؤولية ليست بالبسيطة، إذ يسعى لإيصال فكرته بأسلوب مختلف بحيث تحمل جدارياته معالجات لقضايا مجتمعية ووطنية.

ويسعى سباتين لإيصال رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني رمز للكفاح والمقاومة، وأن الفن له دور في التحرر بدرجة لا تقل عن المقاومة، وهذا يعني أن الفن ظل يرافق البندقية في كل المعارك الفلسطينية.