هل أتاك حديث الانتخابات المحلية؟

وجَّه السيد جبريل الرجوب "مسؤول ملف الانتخابات" في حركة فتح وعضو لجنتها المركزية، سؤالًا واضحًا لحركة حماس بشأن سبب رفضها إجراء الانتخابات المحلية في غزة، ولم ينسَ السيد جبريل أن يؤكد أن "الانتخابات المحلية هي استحقاق وطني".

لست ناطقاً باسم حماس ولا متحدثاً نيابة عنها، ولكن سأتحدث بصفتي حقوقياً ومراقباً لمجريات الأحداث، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الانتخابات، الذي للأسف أصبح حديثاً مملاً لكل أطياف الشعب الفلسطيني، لكثرة ما أُفشلت المحاولات التي بذلت في هذا السياق، وقبل الخوض في أسباب رفض حركة حماس من -وجهة نظري- إجراء الانتخابات المحلية، أود تأكيد الجملة الأخيرة التي وردت في حديث السيد الرجوب، وهي أن الانتخابات استحقاق وطني، ليست الانتخابات المحلية فقط، ولكن أيضاً الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، فإذا كان هناك حرص على استحقاق وطني في مجال معين من طرف ما، فالأصل أن يكون لدى هذا الطرف ذلك المقدار من الحرص على كل الاستحقاقات الوطنية التي اشرأبت لها نفوس الفلسطينيين.

وعود على بدء بخصوص رفض حركة حماس إجراء الانتخابات المحلية، فإن السيد أبو رامي يعلم أكثر من غيره أن حركة حماس يصدق فيها المثل الشعبي القائل: "اللي بجرب المجرب عقله مخرب"، ذلك أن حركة حماس لم ترفض من قبل أي دعوة لإجراء الانتخابات، بل كانت حريصة كل الحرص على إجرائها في موعدها، بل كانت أشد حرصاً على إجرائها متزامنة "تشريعي ورئاسي وبلديات ومجلس وطني"، وذلك رغبة في أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة للشعب، والشعب فقط في إسناد السلطة لمن يرى أنه أحق بها وأجدر، فالشعب مصدر السلطة ويمنحها لمن يرى فيه الكفاءة والقدرة، لكن ما يحدث على أرض الواقع أن الرئيس أبو مازن يتصرف في هذا الأمر على نحو مخالف تماماً لما ينص عليه القانون الأساسي والقوانين الأخرى ذات العلاقة، وكأنه أوكل لنفسه السلطات الممنوحة للشعب في الدستور، وذلك من خلال قراره الفردي وفقًا لقناعاته التي لا يؤثر فيها إلا فريق لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فيقرر متى شاء إجراء انتخابات دونما أدنى اعتبار للمواعيد والمدد التي نص عليها القانون الأساسي أو قوانين الانتخابات سواء المحلية أو التشريعية والرئاسية أو المجلس الوطني، وإذا ما وجد أن رياحه في أثناء العملية الانتخابية غير مواتية، أصدر قراراً آخر بتعطيلها أو إلغائها، وبذلك أصبح الرئيس عملياً هو مصدر السلطات وليس الشعب كما ينص الدستور.

ما أتحدث به حدث مرتين حتى الآن، وذلك دون النظر للمرات التي لم تصل فيها المحاولات لمرحلة البدء العملي في العملية الانتخابية، الأولى عام 2016م حينما وافق الكل الوطني على إجراء الانتخابات المحلية وبدأت العملية فعلاً حتى وصلت إلى مرحلة تقديم قوائم المرشحين للجنة الانتخابات المركزية، ثم أصدر الرئيس قراراً بتعطيل هذه الانتخابات استناداً إلى حكم قضائي "مسيس"، بدعوى أن القضاء في غزة غير شرعي، رغم أن الاتفاق الذي جرى بين القوى الوطنية في حينها قد نص على أن تكون محكمة البداية في كل محافظة هي المحكمة المخولة بالفصل في قضايا الانتخابات، وهذا ما نص عليه قانون الانتخابات المحلية، ورغم هذا التوافق الوطني فقد أصدر أبو مازن قراره بتعطيل الانتخابات المحلية في حينه، والمرة الثانية التي عطل فيها الرئيس عباس الانتخابات هي الانتخابات التشريعية التي جرت أو كان مقرراً لها أن تُجرى في شهر مايو المنصرم، بعد أن تم التوافق الوطني عليها خلال مؤتمر الأمناء العامين للفصائل المنعقد في رام الله - بيروت، وأود أن أشير هنا إلى أن السيد الرجوب كان برفقة السيد العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في صياغة أسس هذا الاتفاق الوطني، وفي سبيله تنازلت حركة حماس عن كل شروطها التي من أبرزها تزامن إجراء الانتخابات، وعند البدء بمراحل العملية وقبل يوم واحد من بدء مرحلة الدعاية الانتخابية ألغى السيد أبو مازن الانتخابات بدعوى عدم قبول الاحتلال إجراءها في مدينة القدس، رغم أن هذه النقطة كانت مثار نقاش وطني طول مدة التفاوض على إجراء الانتخابات، وقدمت كل الفصائل رؤى واضحة للتعامل مع هذه القضية الوطنية، إلا أن "أبو مازن" ألغى العملية برمتها بقرار فردي خلافاً للإجماع الوطني.

إذن، ما الذي يدفع الفصائل الفلسطينية إلى الموافقة على إجراء (مجتزأ) لانتخابات محلية بعد كل هذه الإجراءات الفردية الخارجة على الإجماع الوطني من قبل "أبو مازن"؟ وهل نسي السيد الرجوب هذه المسيرة النكدة من سيرة الانتخابات التي تبدأ أو تُعطل بقرار من "أبو مازن" ليسأل عن سبب رفض حركة حماس إجراء الانتخابات المحلية؟ أظن أن الإجابة واضحة وضوح الشمس، وكان يفترض أن يجيب هو نفسه عن هذا السؤال لا أن يسأله.