في معرض الفنان خالد حسين الأول.. "أفتقدك بشدة"

"القدم الشبح".. منحوتات فنية تروي آلام المبتورة سيقانهم

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"حينما جالستُ واحدًا من ضحايا البتر لأسأله عن شعوره وقتما وجد نفسه بساقٍ واحدة، شرح بتألم، كيف وُضِعت في ثلاجة الموتى، علَّ النبض ينبعث فيها مرة أخرى، إلى أن وجد نفسه يدفن تلك القدم بنفسه، وعندما شرع بالرحيل إلى البيت، إذ بقانون الجاذبية يحتل الموقف، وهناك سقطت تفاحة، وهنا تبتلع الأرض شيئًا ثمينًا جاء معه إلى الحياة، فشعر أن قدمه المفقودة ملتصقة به، وزاد التصاقها بالأرض التي شعر بها وحده، فكيف سيشعر كل يوم؟!".

قبل أن تدخل إلى معرضه الفني بمدينة غزة "أفتقدك بشدة" حيث يعرض منحوتاته التي يجسد بها جرحى مسيرات العودة مبتوري الأطراف، ستتوقف عند تلك القصة الملتصقة على جدار مدخل المعرض يستقبلك فيها الفنان خالد حسين، ثم يخاطبك في نفس الملصق: "كيف لك أن تجلس في موضع المتخيل غير المصدق من الأساس، أن هناك حالة من الحالات تشعر بأن الجزء المفقود لا يزال يسترق من الأعصاب نصيبًا، إذ يشعر الشخص كأنَّ القدم لم ترحل بعد، نعم، هي "القدم الشبح".

مشهد الفقد من جديد

داخل المعرض الذي نظمه بمؤسسة "شبابيك" للفنون التشكيلية ستجد أمامك سبع سيقان ووجه لشاب، لكل منحوتةٍ قصة مختلفة، ساق ممددة على أرضية إسمنتية مغطاة، تجسد قصة ذلك الشاب الذي شارك في تشييع ودفن قدمه.

في منحوتة أخرى ستجد ساقين، اليسرى تقف طبيعية حتى المفصل، أما اليمنى فتدخل في صندوق إسمنتي، تتحدث عن نفس المصاب لكن بعد بتر القدم حينما حاول الجلوس على كرسي متحرك وشعر بجاذبية الأرض.

تلتفت نحو اليمين، في الأعلى إضاءة تعكس لونها الأصفر على الحائط الرمادي تعطي انسجامًا بين المكان ومنحوتات "القدم الشبح"، تتوقف عند منحوتة لمقعد بقدم واحدة فوقه تقف قدمٌ مبتورة واليمنى تجلس من منطقة الفخذ وتضع أطراف أصابعها على الأرض.

عن دلالاتها يقول الفنان حسين: "تعبر هذه المنحوتة عن حالة الفقد؛ الخوف، الذي يرافق ألمها المصاب بعد البتر، وهذه القدم المنحوتة هي القدم الشبح لأنها أصبحت غير موجودة".

تسير للأمام، تتوقف عند ساق تقف قبالة مرآة في الأعلى مادة شمعية برتقالية اللون، تعكس المرآة القدم وبجوارها منحوتة أخرى لقدم تقف بشكل جانبي قبالة مرآة ثانية، لكن دلالاتها أعمق من هذا كله، وحده خالد حسين من يستطيع فك تلك الشيفرة: "الشمع مع القدم تحدثك عن المستقبل، والدخول في المجهول، وكيف سيتعامل الناس مع المبتورة ساقه مستقبلا؟، وهل سيتم تقبله كما في السابق!؟ المادة الشمعية أيضًا تتحدث عن حساسية المكان وضعفه، والساق الأخرى تجسد الحالة النفسية للمصاب".

قدم تلتف أصابعها فوق القدم الأخرى يتحدث فيها عن الألم المرافق للمريض بعد سنوات من البتر، والعمل الأخير بورتيريه جسّد إنسانًا من منطقة الصدر حتى الرأس، العينان بهما نظرة صدمة وحزن وألم في آن واحد، ولهذه قصة يرويها خالد: "تُجسّد شابًا رأيته بمقطع فيديو، يحول فك الشاش الملتصق بقدمه المصابة، فوثقت لحظة الألم".

كواليس العمل

خالد حسين حاصل على بكالوريوس تربية فنية، عضو مؤسسة لمجموعة "كيان رفح" العاملة في مجال الفنون البصرية، ويبحث في السنوات الأخيرة تطوير أدوات معاصرة وجديدة تساعده في استخدام فن النحت والتركيب كوسيط لإنتاج أعماله الفنية، بالإضافة إلى أنه يمارس الرسم بمختلف أشكاله، وله العديد من المشاركات بين معارض وورق فنية محلية ودولية.

على مرسمه الخاص، فرد خالد صورة أمامه رسم عليها القدم، بجواره أدوات النحت من شفرات ومقصات، وأمامه أرضية وضع فيها القالب الأولي للنحت بالطين والصلصال، شكل من خلالها قالب القدم، ثم صب بداخله الأسمنت، ومن هذا المكان خرج بمعرضه الأول "افتقدك بشدة".

يزيح الستار عن كواليس النحت: "هذه الأعمال استغرق إعدادها عامًا، لم يكن العمل متواصلا، ولكن كنت أبحث عن الفكرة والقصة، استخدمت فن النحت بواسطة الأسمنت وإضافة الحديد، ودمجت بين النحت ولغة الجسد لأعبر فيها عن آلام المبتورة سيقانهم (..) لا تستطيع وضع كل أفكارك في العمل، لذلك ضفت عناصر تسمى فن المفاهيم بالعمل الفني".

تمثل ظاهرة الأطراف المبتورة، الناجمة عن قمع الاحتلال الدموي لمسيرات العودة، شاهدًا على أكثر النماذج قسوة وعنفًا ضد المدنيين، شواهد واضحة وثقيلة في المجتمع الغزي، هي الأكثر فظاظة بما خلفته من المآسي الإنسانية والآلام.

"نسأل كثيرًا: كيف كانت أحلام هؤلاء!؟".. رده على نفسه كمن يجيد العزف على أوتار الحروف: "نطقت الأحلام كلها بطرف صناعي يعيد الفاقد قليلًا لحياة سُلبت، فلا ضرورة لأحلام أكثر أيضًا، وهناك من التناقضات الكبيرة التي تعتري الفاقد، فهو كان بطلا بإقدامه على عمل لم يجرؤ عليه إلا من أراد أن يخلق فارقًا في قضية مهمة".