أوراق مطوية.. فلسطين بين الجمهورية والفلكلورية

كم كان الموقف العربي متقدمًا إزاء القضية الفلسطينية قبل كامب ديفيد 1978 عما أصبح عليه بعدها!

نعم؛ رغم قلة الإمكانات، وقلة السلاح، والوجود الاستعماري المباشر، وغير المباشر، والإرباكات والعثرات الاستقلالية، لدى سبع دول عربية مشرقية شبه مستقلة، قبل نكبة 1948؛ كانت "متقدمة جدًّا" في تأييدها لقضية استقلال فلسطين كل فلسطين.

هذا؛ ولم يكن هذا التأييد قد عرف عبارة "الحقوق المشروعة"، وقد كانت القضية برمتها مشروعة، وفلسطين عربية بأرضها وسكانها؛ من البحر إلى النهر، ومن الناقورة إلى أم الرشراش، رغم إرباكات سايكس بيكو 1916، ووعد بلفور 1917، وتفتيت سورية، في جحور الظلام الصهيو أنجلو-فرنسية، وأمريكية لاحقًا.

يجدر أن نشير هنا إلى المؤتمر السوري الكبير في حزيران (يونيو) 1919 الذي عقد في دمشق آنذاك؛ بشأن كيفية مواجهة لجنة (كنغ كراين) لتقصي الحقائق حول مصير سورية، في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، وتخليها عنها مضطرة، وقد حضر المؤتمر جمع كبير من مختلف ولايات المشرق العربي العثمانية، لا سيما أعضاء مجلس المبعوثان العثماني آنذاك، وقد كان عددهم 90 نائبًا من ولاية سورية (سورية ولبنان وفلسطين والأردن)، وقد عدّ أول برلمان لسورية الموحدة، أو الكبرى.

ولدى اجتماعه ثانيةً في 17 آذار (مارس) 1920 أعلن أهم قراراته، وهي: استقلال سورية تحت مسمى (المملكة السورية العربية) بحدودها الطبيعية (سورية الداخلية، ولبنان، والأردن، وفلسطين، وسنجق الإسكندرونة، والأقاليم السورية الشمالية، التي منحتها فرنسا لتركيا في معاهدة "أنقرة 1921" واعترفت بها في معاهدة "لوزان 1923").

هذا؛ وقد نادى "محمد عزت دروزة" سكرتير المؤتمر بتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على سورية بحدودها الطبيعية، ورغم اتفاقية فرساي 1919 بشأن ترتيبات الوضع في أعقاب هزيمة دول المحور (الدولة العثمانية، وألمانيا القيصرية، واتحاد النمسا – هنغاريا)، ثم اتفاقية سان ريمو، ومن بعد اتفاقية لوزان 1923، التي قضت بانتداب فرنسا وبريطانيا على أقاليم سورية والعراق "المفتتة" بموجب سايكس – بيكو؛ ظل التيار التوحيدي لعموم الأقاليم السورية يصدح عاليًا، أن فلسطين ليست إلا عربية ضمن سورية الكبرى، وإن جزئت، تحت تأثير القوة الغاشمة للاستعمارين البريطاني والفرنسي.

رفض التفتيت والمقاومة

في 24 تموز (يوليو) 1920 اجتاحت الجحافل الفرنسية دمشق عاصمة "المملكة السورية العربية"، بعد هزيمة الجيش العربي في "ميسلون" بقيادة وزير الدفاع الشهيد البطل "يوسف العظمة"، وتخلي الملك فيصل عن عرشه، جزّأ الجنرال غورو القائد الفرنسي سورية الداخلية إلى خمس دول، إمعانًا في الكيد واستكمالًا لسايكس – بيكو 1916، وكأنها لم تكن كافية، هذه الدول هي: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة جبال العلويين، ودولة جبل الدروز (جبل العرب)، وسنجق الإسكندرونة، وما سلخوه من مدن وقرى لتكبير دولة لبنان.

لكن رجالات سورية وعموم شعبها قد اتحدوا في ثورة عارمة عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، ضد التجزئة وضد الاستعمار الفرنسي، في حين اشتعلت نار المقاومة الشعبية في فلسطين ضد قوات الاحتلال البريطاني، والعصابات الصهيونية، وقد نجحت الثورة في سورية في إحراز الاستقلال بعد 25 عامًا من الاحتلال الفرنسي، كما استقلت معها لبنان في التاريخ نفسه؛ ولم ينسَ رجال الثورة في سورية الوقوف والصمود مع إخوانهم في فلسطين، التي ظلوا يترجمونها إلى اليوم بـ"جنوب سورية".

ولما حل موعد الانسحاب البريطاني من فلسطين في 15 أيار (مايو) 1948؛ دخلت الجيوش العربية الرسمية السبع أرض فلسطين للدفاع عنها ضد العصابات الصهيونية، إضافة إلى جيش الإنقاذ من المتطوعين من الفلسطينيين، والعرب، بقيادة الشهيد فوزي القاوقجي، وجيش الجهاد المقدس بقيادة المرحوم الشهيد عبد القادر الحسيني.

وبينما الحرب قد اشتد أوارها على أرض فلسطين؛ باركت هذه الدول العربية التي شاركت في "إنقاذ" فلسطين إعلان قيام "جمهورية فلسطين"، وتشكيل حكومة فلسطينية عُرِفَتْ بـ"حكومة عموم فلسطين"؛ وذلك في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1948 في غزة، وقد رحبت بها الدول العربية، عدا الأردن.

جمهورية فلسطين وهوية وجواز سفر

كان الكيان الفلسطيني قبل 1948 تُؤَطِّرُه "الهيئة العربية العليا لفلسطين" بقيادة الحاج أمين الحسيني، وقد أوصت هذه القيادة والحرب محتدمة على الأرض الفلسطينية بإعلان جمهورية فلسطين، وتشكيل حكومة، تمثل كل فلسطين تحت مسمى "حكومة عموم فلسطين" من 12 وزيرًا برئاسة المرحوم أحمد حلمي عبد الباقي، جاءوا من مختلف الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، هذه الحكومة أصدرت أول هوية وطنية، تحمل عنوان (جمهورية فلسطين) على رأس خريطة فلسطين كاملة على غلاف الهوية الأول، كما أصدرت أول جواز سفر "محترم" لكل الفلسطينيين تحت اسم "حكومة عموم فلسطين"، وقد كان عدد الطبعة الأولى منه 23 ألف جواز، بكل مواصفات الجوازات العصرية، وقد حمل الجواز رقم "واحد" المناضل السياسي الفلسطيني محمد علي بيك الطاهر، وقد كان للجمهورية الفلسطينية مشروعها الوطني والقومي بروح وطنية فلسطينية، لكن الانتداب العربي قد حل محل الانتداب البريطاني على ما تبقى من أرض في أعقاب نكبة 1948، و(هدنة رودس 1949)، التي أخذت بغزة في اتجاه حكم عسكري من جانب المملكة المصرية، والضفة الغربية باتجاه المملكة الأردنية الهاشمية، وبينهما فاصل من الأرض احتلته العصابات الصهيونية بعمق يراوح بين 70 و80 كيلومترًا، لعله الأكثر فاعلية في العزل الجغرافي والسياسي والاجتماعي بين قطاع غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية، بكل تأثيراتها وألوانها، والأخرى في الثوب الأردني بكل تلاوينه الأردنية دون فلسطين؛ إلى أن ألغت النكسة 1967 الوضع فيها لتديرها، إلى أن جاءت "أوسلو 1993" المشؤومة باعتراف القيادة "العرفاتية" على رأس منظمة التحرير الفلسطينية البائسة، لتعترف بدولة الكيان الصهيوني على ثلاثة أرباع الأرض الفلسطينية، على أساس موافقة دولة الكيان الصهيوني على دولة فلسطينية على أشلاء فلسطين المتبقية، في غزة والضفة الغربية، بصورة فلكلورية من نوع (الدبكة، والعتابة ، والميجنا، واسكابا يا دموع العين، والدحية ... إلخ).

وتمضي الزفة الفلكلورية نحو ربع قرن من الزمان تتلطى وتتشقلب على غير هدى، جعل غزة وكأنها في قارة والضفة (رام الله) وكأنها في قارة أخرى، يحار "جحا" بكل ما أوتي من "فهلوة" في فهم أوضاعهما ومعرفة لغتهما، ويبذل كل جهده لكن لا تلتقيان، ولا تزدادان إلا فرقة وابتعادًا، على إيقاعات "الردح" والنوح، لكن حق المقاومة المسلحة الذي جسده انتصار سيف القدس هنالك من يتجاهله، بل يُسَفِّهُه ويزدريه بكل صفاقة ووقاحة.

أجل؛ إنه العصر الفلكلوري، وعتابا وميجنا.

عودة إلى العصر الجمهوري

ليتنا نتَّعظ من عِبر التاريخ، لقد شهد قطاع غزة شبه فك ارتباط عن مصر 1959، وارتحلت القيادة التاريخية الفلسطينية (الهيئة العربية العليا لفلسطين) بقيادة الحاج أمين الحسيني، ورافقتها حكومة عموم فلسطين إلى بيروت، وقد يستغرب بعضٌ أن من أضافهما هناك كان الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب، الصديق الحميم للحاج أمين، والمؤيد لقضيته الوطنية.

أقول بعجالة إن الرحيل كان أشبه بالاحتجاج والهروب من مناوأة السياسة المصرية الناصرية لإقامة دولة فلسطينية على أشلاء فلسطين في "الضفة وغزة والحمة"؛ وقد كان هذا مطلبًا له أبعاده السياسية الأكثر إيجابية من مشروع منظمة التحرير الفلسطينية، قبل وضعها في مهاد الأنظمة العربية في مؤتمر القمة العربية الأول في القاهرة، وتبني المرحوم جمال عبد الناصر له، لأسباب غير مقنعة –صراحة– كما يذكر "الشقيري" في مذكراته، وإبداء ندمه على معارضته، لدى توليه رئاسة منظمة التحرير، بعد هدم الهيئة العربية العليا لفلسطين، وقيادتها، صاحبة مشروع الدولة الفلسطينية؛ سواء أكانت جمهورية أم غير ذلك.

وهكذا تمسكنا بعَظْمَةٍ جُدِّدت من لحمها ودسمها، وقبضت روحها، وكأنها البلسم الشافي، والطيلسان الواقي، فيما لا شيء إلا الخواء، وباسمها تدار أقدس قضية، لشعب عرف طريقه نحو التحرير والحرية بسيف القدس، وبعزيمة جلبوع، وبالاتكال على الله وسيوف ورجال الله ... وهذا غيض من فيض، دعونا نتذكر عسى أن نتعظ.